ديبلوماسية «السرعة القصوى».. أبعاد وخلفيات زيارة الرئيس عون الموعودة لتركيا

جوزيف عون

تشهد العلاقات اللبنانية-التركية تسارعاً ديبلوماسياً غير مسبوق يتجاوز الأطر البروتوكولية المعتادة لعلاقات الدول. ويأتي الإعلان عن الزيارة الرسمية المقررة لرئيس جمهورية لبنان، العماد جوزيف عون، إلى العاصمة التركية أنقرة، بعد أقل من أسبوعين فقط على زيارة مماثلة قام بها رئيس الحكومة اللبنانية للعاصمة نفسها، ليضفي على هذا الحراك طابعاً استثنائياً يتسم بالعجلة والأهمية السياسية البالغة، لا سيما في ظل التحولات الجيوسياسية الضخمة التي تلت سقوط نظام بشار الأسد في سوريا وصعود نفوذ أنقرة المباشر في دمشق.

أبعاد الزيارة ومحورية الدور السوري الجديد

تكتسب زيارة العماد عون لتركيا أبعاداً تتخطى العلاقات الثنائية، لتدخل في عمق إعادة ترتيب التوازنات الإقليمية في المنطقة.

ووفقاً لقرارات وتحليلات سياسية، فإن الأسباب الجوهرية لهذا الحراك ترتبط بالنقاط التالية:

  • استكشاف الدور السوري في لبنان: تأتي الدعوة التركية للرئيس عون في ظل تنامي الحديث عن دور سوري مطلوب «بإيعاز أو غطاء إقليمي» في عمق الساحة اللبنانية، يهدف إلى إطاحة معادلات سياسية سابقة وفرض أخرى جديدة. ويُنظر إلى أنقرة حالياً بوصفها «المرجعية السياسية ومربط الخيل» للحكم الجديد في دمشق.
  • تقصي الموقف من الضغوط الأميركية: يسعى الجانب اللبناني إلى الإنصات مباشرة لتصورات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان حيال المطالب الأميركية الملحة الموجهة لدمشق لأداء دور ميداني أو سياسي في مواجهة «حزب الله»؛ إذ فضل عون التزام الصمت حيال رغبة الرئيس دونالد ترامب المتكررة بهذا الشأن، ويتطلع لمعرفة حدود التجاوب التركي-السوري مع هذه الرغبة.
  • الحسابات التركية المعقدة: يدرك الجانب التركي تماماً تداعيات أي تدخل سوري مباشر في لبنان، لا سيما مع وجود معارضة واضحة من طهران لمثل هذه الخطوات، فضلاً عن وعي أنقرة بأن الساحة السنّية في لبنان تمتلك امتداداً وتحالفاً تاريخياً وحاضراً مع المملكة العربية السعودية، ولا توالي النفوذ التركي بشكل مطلق.

رغبة التمدد التركي وملء «الفراغ الإيراني»

يتزامن التحرك التركي تجاه بيروت مع تطورين استراتيجيين أعادا رسم خريطة النفوذ في الشرق الأوسط:

  1. انكفاء الحضور الإيراني: تسابق القوى الإقليمية لملء الفراغ الناجم عن تراجع التأثير الإيراني المباشر في الساحة اللبنانية.
  2. سقوط النظام السوري السابق: أدى انهيار نظام الأسد وسيطرة حلفاء أنقرة على مقاليد الحكم في سوريا إلى فتح الباب تلقائياً أمام الإدارة التركية للتمدد نحو الساحة اللبنانية، باعتبارها امتداداً طبيعياً لعمقها الجديد في دمشق.

وقد ترجمت أنقرة هذه الرغبة عبر لقاءات بعيدة عن الأضواء أجرتها دوائرها مع قوى لبنانية بارزة «غالبيتها من الطائفة السنّية»، بالتوازي مع قنوات اتصال غير مرئية مع «حزب الله» صبّت في مصلحة الطرفين؛ حيث تحرص تركيا على إبقاء حضورها «ناعماً وسلساً» لتجنب الصدامات المباشرة مع القوى المحلية والإقليمية ومراعاةً لحساسية التركيبة اللبنانية.

أزمة الترسيم البحري مع قبرص وسد الثغرات

إلى جانب الملف السوري، تحمل زيارة العماد عون مقصداً حيوياً آخر يتعلق بملف الطاقة والحدود البحرية في شرق المتوسط؛ حيث يسعى لبنان إلى إطفاء «غضب أنقرة» التي جاهرت باعتراضها الشديد على اتفاق ترسيم الحدود البحرية الذي أبرمته بيروت سابقاً مع قبرص، معتبرة أنه تجاهل مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية بالكامل.

وتستغل تركيا هذه الثغرة لبناء علاقة متكاملة ومباشرة مع كافة مكونات الحكم في لبنان، مستندة إلى التداخل الجغرافي والتاريخي الشامل بين لبنان وسوريا التي أصبحت أنقرة مرجعيتها الأولى، مما يجعلها لا تمانع في إعادة إنتاج حضور سوري منسق في المعادلة اللبنانية الجاري تشكيلها حالياً.

السابق
تكتيك جديد لحزب الله حول علي الطاهر… استهداف الضباط بدل المواجهات المفتوحة
التالي
«إنذار إيراني رداً على ترامب».. لا عبور في مضيق هرمز لأي سفينة تمول تعويضاتها من أموالنا