كامل الأسعد: رجل صيانة الدستور

كامل الاسعد

بين خشوع التاريخ وصمت المدى، يقف المرء أمام السير الكبرى موقف المعتبر الذي يستشف من خلال حركة الحوادث سر النزوع الإنساني نحو إثبات الذات في معترك الحياة. وفي تاريخ لبنان الحديث، تبرز شخصيات لم تكن مجرد أرقام في السجلات السياسية، بل كانت معالم شاخصة في مرحلة التحول الدستوري والاجتماعي. ومن هذه الشخصيات يتجلى كامل بك الأسعد، الرجل الذي تحدر من بيت سياسي عريق في جنوب لبنان، ووجد نفسه في قلب معترك الدولة، يقود وينتظم تحت سقف القانون، ويواجه تقلبات الزمن والأفكار بصلابة التزم فيها رؤيته لسيادة الوطن ومؤسساته.

تاريخ زعامة عريقة

لم ينشأ كامل الأسعد في فراغ، بل ولد في بيت تعاقبت عليه زعامة جبل عامل لمئات السنين، ممتداً من آل علي الصغير الذين حفروا حضورهم في التاريخ الإقليمي بالحديد والنار والجاه. كانت الطيبة، تلك القرية الجنوبية القابعة عند حافة الحدود والذاكرة، مسرح نشأته الأولى ومستقر عائلته التي نالت ألقاب الريادة منذ العهد العثماني. كان والده أحمد الأسعد وزيراً ورئيساً لمجلس النواب، وكان جده عبد اللطيف الأسعد خائضاً في الميادين النيابية والمواقف الرافضة للانتداب الفرنسي.

هذا الإرث الثقيل لم يكن مجرد وجاهة اجتماعية، بل كان التزاماً وتكليفاً يفرض على الخلف أن يسير على خطى السلف، أو أن يعيد تعريف الزعامة بما يتناسب مع روح العصر. تلقى الفتى علومه الأولى في مدرسة الحكمة ببيروت، ثم يمّم وجهه شطر باريس ليغرف من ينابيع حقوقها وعلومها السياسية في جامعة السوربون، فنال إجازته عام 1952، ممتلكاً العدة الفكرية والقانونية التي سيتسلح بها لاحقاً في أروقة البرلمان اللبناني.

دخل كامل الأسعد الندوة النيابية لأول مرة عام 1953 وهو في مقتبل الشباب، لتبدأ رحلة طويلة في العمل النيابي والوزاري امتدت لعقود. توالت إعادة انتخابه في الدورات المتتابعة، وتولى مسؤوليات وزارية شملت التربية الوطنية والفنون الجميلة، والصحة العامة، والموارد المائية والكهربائية. غير أن الميدان الأبرز الذي تجلت فيه شخصيته كرجل دولة هو رئاسة مجلس النواب، المنصب الذي تبوأه ثلاث مرات مختلفة، ليصل مجموع سنوات رئاسته إلى ما يقارب الخمسة عشر عاماً.

في مقعد الرئاسة، كان الأسعد يمثل مدرسة قانونية صارمة تعتقد أن الدستور ليس مجرد نصوص جامدة، بل هو العقد الاجتماعي الذي يحمي الكيان من التفتت. كان يتصرف بصفته حارساً للآلية الدستورية، لا يساوم على انتظام العمل النيابي حتى في أعتى ظروف الانقسام والاضطراب. ومن هذا المنطلق، ساهم في تشكيل تكتل الوسط النيابي إلى جانب قامات سياسية كبرى، ولعب دوراً حاسماً في محطات الاستحقاق الرئاسي، مؤمناً بأن بقاء الدولة مرهون بسلامة مؤسساتها البرلمانية وإصرارها على ممارسة دورها الدستوري مهما بلغت التحديات الأمنية والسياسية.

لم ينشأ كامل الأسعد في فراغ، بل ولد في بيت تعاقبت عليه زعامة جبل عامل لمئات السنين، ممتداً من آل علي الصغير الذين حفروا حضورهم في التاريخ الإقليمي بالحديد والنار والجاه.

تستدعي القراءة المتجردة لسيرة هذا الرجل التوقف عند محطات الخلاف والوفاق التي رسمت مساره السيادي. لقد عرف عن الأسعد تمسكه الشديد بستار الشرعية، وكان يرى أن أي خروج عن المؤسسات الدستورية هو بداية الانزلاق نحو الفوضى. ولهذا السبب، خاض مواجهاته السياسية بأدوات القانون والبرلمان، ورفض الخضوع لضغوط الإملاءات الخارجية أو المساومة على سيادة القرار الوطني.

غير أن هذه الصلابة الأصولية في ممارسة السلطة، والالتزام الحرفي بالنصوص، جعلت الخصوم يرون فيه ممثلاً لنظام تقليدي يرفض التكيف مع المتغيرات الاجتماعية والسياسية المتسارعة التي عصفت بلبنان قبل الحرب الأهلية وأثناءها. أخذ عليه في بعض المحطات اتخاذه قرارات ومواقف حادة في المحطات الفاصلة، وربطه المصير السياسي بمسارات أثارت جدلاً واسعاً في الشارع اللبناني وفي الأوساط الإقليمية. ومع ذلك، كان المنطلق لديه دائماً هو الاعتقاد الجازم بأن المصلحة العليا للبنان تكمن في المراهنة على الشرعية والشرعية وحدها، بعيداً عن الترضيات المؤقتة أو ارتهان القرار لصالح المجموعات المسلحة.

رحل كامل الأسعد عن هذه الدنيا وهو لا يملك من حطام المال إلا القليل، بعد أن تراجع نفوذه وتلاشت ممتلكاته في سبيل حماية خياراته وقراراته السياسية المستقلة.

اسطورة “الاقطاع”!

من أكثر العناوين التي أُلصقت بكامل الأسعد ولصقت ببيته السياسي عنوان “الإقطاع”. لقد هاجمه خصومه السياسيون وأصحاب التيارات الحديثة بصفته رمزاً للبيوتات المكتسبة والوراثة السياسية التي تستغل النفوذ لتحقيق المكاسب. غير أن الأيام، بحكمتها الهادئة، كشفت عن مفارقة عميقة تعكس جوهر هذا الرجل وتفند الشائعات السطحية.

رحل كامل الأسعد عن هذه الدنيا وهو لا يملك من حطام المال إلا القليل، بعد أن تراجع نفوذه وتلاشت ممتلكاته في سبيل حماية خياراته وقراراته السياسية المستقلة. لقد مات الرجل وهو الذي عاش نزيهاً لم يستغل منصبه لجمع الثروات أو بناء الإمبراطوريات المالية. وفي المقابل، فإن كثيراً ممن رفعوا شعارات الدفاع عن الكادحين وخاضوا المعارك بوجهه باسم التغيير والعدالة، انتهى بهم المطاف إلى ممارسة سلوكيات نفوذ أعتى، وركموا ثروات هائلة، وأسسوا لإقطاعات جديدة تستتر خلف عناوين حديثة.

وهنا تظهر براءة الرجل النزيه؛ فقد كان “إقطاعياً” بالمفهوم الاجتماعي التاريخي الموروث، لكنه كان رجل دولة بنظافة اليد والأنفة والترفع عن المال العام، بينما أظهرت تجارب الخلف أن الشعارات البرّاقة قد تخفي تحتها رغبة في الاستحواذ والنفوذ المستجد.

مع انتهاء الحرب الأهلية وتبدّل الموازين السياسية، وجد كامل الأسعد نفسه خارج المعادلة التي أفرزتها التوازنات الجديدة. خاض الانتخابات النيابية في التسعينيات ومطلع الألفية، لكن الظروف والتغيرات الديموغرافية والسياسية لم تسعفه، فتراجع حضوره النيابي دون أن يتراجع عن مواقفه أو يغير قناعاته. اعتزل في صمته المرفوع، يعاني من اعتلال الصحة والآلام، حتى ووري الثرى في تموز من عام 2010.

إن سيرة كامل بك الأسعد ليست مجرد حكاية زعيم جنوبي خسر مقعداً أو ربح جولة، بل هي فصل من فصول كتاب لبنان المليء بالعبر. إنها قراءة في كيفية تعامل رجل الدولة مع طوفان التغيير: هل يساوم ليستمر، أم يثبت على مبادئه وإن أدت به إلى عزلة الموقف؟ لقد اختار الأسعد التمسك بما رآه صواباً ودستورياً، ورحل خفيف المتاع، ثقيل الذكر، تاركاً للتاريخ أن يقضي بالعدل بين السادة الحقيقيين والمدعين.

السابق
بن غفير: ترامب ساذج للغاية بشأن القضية الإيرانية
التالي
تونس تنتفض من جديد.. الإستبداد لا يبني دولة