واكبتُ عن قرب الانتفاضة التونسية التي اندلعت في أواخر عام 2010، ورافقت، مع عدد من الإخوة والأصدقاء من تونس والمشرق العربي وفي فرنسا، الحراك التضامني معها.
شاركت في تظاهرات باريس، وفي ندوات ولقاءات وحملات دعم، ونحن نعيش لحظة تاريخية استثنائية. لم تكن تونس يومها مجرد بلد عربي ينتفض ضد رئيس مستبد، بل كانت تفتح نافذة أمل لكل العرب بأن التغيير السلمي والديمقراطية ممكنان.
أتذكر جيدًا تلك الأيام. كان اسم محمد البوعزيزي يتردد في كل مكان، وكان سقوط زين العابدين بن علي في 14 كانون الثاني/يناير 2011 يبدو حدثًا يؤسس لمرحلة عربية جديدة، عنوانها الحرية والكرامة ودولة القانون.
وللمرة الأولى منذ عقود، شعر ملايين العرب أن الاستبداد ليس قدرًا محتومًا، وأن الشعوب قادرة على استعادة حقها في اختيار حكامها.
اليوم، وبعد خمسة عشر عامًا، أتابع الاحتجاجات المتصاعدة في المدن التونسية بكثير من التضامن. فالتونسيون الذين يخرجون إلى الشوارع احتجاجًا على الفقر، وارتفاع الأسعار، وأزمات المياه والكهرباء، وتراجع الحريات، إنما يعبّرون عن خيبة أمل عميقة من مسار سياسي انتهى، في نظر قطاع واسع منهم، إلى إعادة إنتاج الحكم الفردي الذي ثاروا عليه قبل خمسة عشر عامًا.
إن ما يجري في تونس ليس شأنًا تونسيًا داخليًا فحسب، بل قضية عربية بامتياز. لأن تونس كانت أول تجربة ديمقراطية عربية حقيقية، ولأن مصير هذه التجربة يعني كل من آمن بأن الديمقراطية يمكن أن تجد مكانًا لها في عالمنا العربي.
من ثورة الحرية إلى عودة الحكم الفردي
لم تكن السنوات التي أعقبت الثورة سهلة. فقد عانت تونس من الانقسامات الحزبية، وتعاقبت الحكومات، وتباطأت الإصلاحات الاقتصادية، وارتكبت القوى السياسية أخطاء كبيرة أفقدتها ثقة جزء من الشارع.
لكن الديمقراطية لا تُقاس فقط بقدرتها على تحقيق الازدهار الاقتصادي، بل أيضًا بقدرتها على تصحيح أخطائها عبر صناديق الاقتراع، والفصل بين السلطات، واستقلال القضاء، وحرية الإعلام.
في 25 تموز/يوليو 2021، أعلن الرئيس قيس سعيّد ما سماه “تصحيح المسار”. غير أن ما أعقب ذلك لم يكن مجرد إصلاح سياسي، بل تفكيكًا تدريجيًا للنظام الدستوري الذي ولد بعد الثورة.
جُمّد البرلمان ثم حُلّ، وأُلغي المجلس الأعلى للقضاء، وأُعيدت صياغة الدستور بما منح رئيس الجمهورية صلاحيات شبه مطلقة، فيما تقلصت صلاحيات البرلمان، وتراجعت استقلالية المؤسسات الرقابية، وضاقت مساحة العمل السياسي والإعلامي.
كما شهدت البلاد ملاحقات واعتقالات طالت سياسيين معارضين وصحفيين ومحامين ونشطاء، الأمر الذي دفع منظمات حقوقية تونسية ودولية إلى التحذير من تراجع الحريات العامة واستقلال القضاء.
قد يختلف التونسيون في تقييم قيس سعيّد، لكن من الصعب إنكار أن تونس ابتعدت كثيرًا عن النموذج الديمقراطي الذي وُلد بعد ثورة 2011.
الاستبداد لا يحل الأزمات… بل يفاقمها
قدّم قيس سعيّد نفسه بوصفه المنقذ الذي سيضع حدًا للفساد وللفوضى السياسية. لكن ما الذي تحقق بعد خمس سنوات؟
ما زالت البطالة مرتفعة، والتضخم يلتهم القدرة الشرائية، والدين العام يثقل كاهل الدولة، بينما تتكرر أزمات المياه والكهرباء، وتزداد صعوبة الحياة اليومية، ويواصل آلاف الشباب البحث عن مستقبل خارج بلادهم، حتى ولو كان عبر قوارب الهجرة غير الشرعية.
لقد أثبتت التجربة التونسية، كما أثبتتها تجارب عربية أخرى، أن احتكار السلطة لا يصنع تنمية، وأن إلغاء السياسة لا يحل المشكلات الاقتصادية.
فالاستبداد لا ينتج إلا مزيدًا من الاستبداد. وحين يغيب البرلمان الفاعل، ويُضعف القضاء، ويُخنق الإعلام، وتُهمّش المعارضة، تفقد الدولة أهم أدوات تصحيح أخطائها، ويتحول القرار إلى إرادة فرد، مهما كانت نواياه.
وفي السياسة الخارجية أيضًا، شهدت تونس تحولًا لافتًا. فبعد أن حافظت، خلال السنوات التي تلت الثورة، على سياسة خارجية متوازنة، اتجهت في عهد قيس سعيّد إلى إعادة العلاقات مع نظام بشار الأسد، وإلى خطاب سياسي أكثر قربًا من محور الممانعة الذي تقوده إيران ويضم النظام السوري وحلفاءه في المنطقة.
ولم ينعكس هذا التموضع بأي مكاسب ملموسة على الاقتصاد التونسي أو على مستوى معيشة المواطنين، بل زاد من الانطباع بأن تونس تغادر تدريجيًا موقعها التقليدي كدولة عربية معتدلة، لتنخرط في محاور إقليمية لا تقدم حلولًا لأزماتها الداخلية.
تونس تستحق أن تستعيد ثورتها
ما يجري اليوم في تونس يجب أن يكون درسًا لكل العرب.
لقد أثبتت التجربة أن الفشل في إدارة الديمقراطية لا يكون بإلغائها، وأن فساد بعض الأحزاب لا يبرر القضاء على المؤسسات، وأن الإحباط الشعبي لا ينبغي أن يتحول إلى تفويض مفتوح لحاكم يحتكر السلطات باسم الشعب.
لقد قامت الثورة التونسية من أجل الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية. ولم تكن هذه الشعارات متناقضة، بل متكاملة. فلا كرامة بلا حرية، ولا تنمية بلا مؤسسات، ولا استقرار بلا دولة قانون.
كل التضامن مع المحتجين السلميين في تونس، ومع حقهم المشروع في التعبير والاحتجاج والمطالبة بحياة كريمة، وبخدمات أساسية تليق بمواطن في القرن الحادي والعشرين، وباستعادة المسار الديمقراطي الذي دفع التونسيون ثمنه غاليًا.
إن الدفاع عن الديمقراطية في تونس ليس دفاعًا عن حزب أو تيار، بل عن فكرة أن الشعوب العربية تستحق أن تعيش في ظل دولة يحكمها الدستور، لا الأفراد، والقانون، لا الأهواء، والمؤسسات، لا الزعامات.
قبل خمسة عشر عامًا، ألهمت تونس العرب وهي تُسقط الاستبداد. واليوم، وهي تنتفض مجددًا دفاعًا عن الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، فإنها تذكرنا بحقيقة بسيطة طالما حاول الطغاة إنكارها : قد ينجح الاستبداد في إسكات الأصوات لبعض الوقت، لكنه لا يستطيع أن يقتل تطلع الشعوب إلى الحرية، ولا أن يبني دولة عادلة، ولا أن يصنع مستقبلًا.

