لبنان على حافة الانفجار: تصعيد عسكري، انقسام سياسي، وأزمة إنسانية تتفاقم

Tasiid Damawi

يوم بعد يوم يصبح المشهد اللبناني أكثر درامتيكيّة ودمويّة في ظلّ استمرار العدوان الاسرائيلي على لبنان، ووسط تصعيد الخطابين السياسي والعسكري الاسرائيلي، واستمرار حزب الله باطلاق رشقاته الصاروخيّة باتجاه الأراضي المحتلّة.
شهدت بيروت الليلة الماضية استهدافات عنيفة طالت الضاحية والباشورة وزقاق البلاط، وهو الاستهداف العاشر لعمق العاصمة وفقًا لتقديرات إعلاميّة، اسفرت الغارات عن ارتقاء عدد من الشهداء أبرزهم مدير البرامج السياسيّة في قناة المنار محمّد شرّي وزوجتته، بالإضافة إلى عنصر في حزب الله يدعى علي قبلان وفقًا لـ”الحدث”، ووفقًا لصحيفة النهار تم استهداف العبّارة الاحتياطية التي تمر فوق نهر الليطاني في منطقة برج رحال والتي تقع قرب مصلحة ري الجنوب التابعة للمصلحة الوطنية لنهر الليطاني.

مشهد سبقه استمرار الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم تمسكه بخطاب التصعيد والمواجهة، مع استمرار الانقسام والشرخ داخل الحكومة اللبنانية حول طبيعة التفاوض وشكل الوفد.

موقف الحكومة ومسار التفاوض

في الإطار السياسي، أكّد وزير الثقافة اللبنانيّة غسّان سلامة أن الحكومة اللبنانيّة تواصل الضغط على اسرائيل بالوسائل الدبلوماسيّة من أجل عقد جولة تفاوض، وأضاف سلامة في حديث لـ”الجزيرة” أنّ مبدأ التفاوض المباشر مع إسرائيل غير مرفوض لكن النقاش في لبنان هو بشأن الشروط، وليس هناك اتصال مباشر مع حزب الله بشأن ملف التفاوض، والحزب قرر أن يدخل المعركة مع إسرائيل بعد اغتيال خامنئي من دون استشارة الحكومة.

ارتباط إقليمي وتداعيات سيادية

يأتي هذا الحديث بعد رسالة الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم “للمجاهدين” ليل أمس، جرى خلالها الإعلان الصريح عن الارتباط العضوي بالقيادة الإيرانية الجديدة ممثلة بالسيد مجتبى خامنئي. هذا التأكيد وفقًا لقراءة نشرت في “جنوبيّة” لا يضع التنظيم في مواجهة مع الداخل اللبناني فحسب، بل يكرس الانطباع بأن الساحة اللبنانية تحولت إلى مجرد “مصدّ أمني” متقدم لحماية المصالح الإيرانية في المنطقة، فربط مصير آلاف المقاتلين والمدنيين اللبنانيين بمسار “الولاية” في طهران، يعزز المخاوف السيادية من اضمحلال دور الدولة اللبنانية لصالح أجندات إقليمية لا تضع الأولوية للمصلحة الوطنية المحضة.

توتر بين حزب الله والقضاء

على المستوى الرسمي، يستمر حزب الله في تأكيد انسلاخه عن الدولة والمؤسسات والقضاء، وقد تجلّى ذلك في مؤتمر صحفي عقده عضو كتلة الوفاء للمقاومة النائب حسين الحاج حسن، تطرق خلاله إلى مسألة تحويل أحد القضاة إلى التفتيش القضائي، معتبرًا أن هذا الإجراء شابه خللان أساسيان: أولهما تسريب القرار إلى الإعلام بما يخالف مبدأ السرية، وثانيهما أن التحويل جاء على خلفية حكم قضائي لا سلوك مهني، ما يشكّل تجاوزًا للصلاحيات.
ورأى أن وزير العدل “ارتكب مخالفتين واضحتين تمسان استقلالية القضاء”، متهمًا إياه بالتصرف “كممثل لفريق سياسي داخل الحكومة”، بدلًا من أداء دوره كحامٍ للقانون، معيدًا تعويم قضيّة علي برّو الذي تمّ توقيفه قبل أسبوعين من قبل شعبة المعلومات بتهم المس بالسلم الأهلي وتحويله إلى القضاء المختص.

اجتماع أمني في بعبدا ودعوات للوحدة

على المستوى الأمني، عقد اجتماع أمني في بعبدا برئاسة رئيس الجمهوريّة اللبنانيّة العماد جوزف عون وبحضور عدد من القادة الأمنيين والعسكريين، شدد الرئيس عون خلال الاجتماع على الجهوزية الكاملة للقوى العسكرية والأجهزة الأمنية، داعيًا إلى أن يكون الخطاب السياسي في البلاد خطابًا وطنيًا يركز على وحدة اللبنانيين والتضامن في ما بينهم ونبذ التفرقة والتحريض الطائفي والفتنة.
ودعا رئيس الجمهورية إلى أن ينسحب هذا الأمر على وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي نظرًا للدور المهم الذي يلعبه الإعلام في هذه الظروف، كما شدد على ضرورة قيام المحافظين والقائمقامين والبلديات بواجباتهم كاملة بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية.

تصعيد إسرائيلي وتباين في المواقف

في المشهد الاسرائيلي، لم تخف حدّة التصعيد في الخطابين السياسي والعسكري، فقد أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في بيان رسمي عن تفويض مطلق للجيش باغتيال أي شخصية في حزب الله أو إيران دون الرجوع إلى دوائر القرار، معلنًا عن حدوث «مفاجآت كبيرة في مختلف الساحات» خلال الساعات القادمة.
أكد كاتس أن هذه التحركات المرتقبة من شأنها أن «ترفع مستوى الحرب التي نديرها ضد إيران وحزب الله في لبنان»، في إشارة واضحة إلى أن رقعة الاستهداف قد تتوسع لتشمل مراكز ثقل جديدة للمحور الإيراني.
لكن الانقسام الاسرائيلي مستمر بشأن المسار في لبنان، فبعد تصريح رئيس وفد اسرائيل للتفاوض والمسؤول عن الملف اللبناني الوزير السابق رون ديرمر عن امكانية الحديث عن اتفاق سلام مع لبنان، نفى وزير الخارجيّة الاسرائيلي جدعون ساعر أي توجه اسرائيلي للتفاوض المباشر لإنهاء الحرب.
وتزامن كلام كاتس مع إعلان المتحدّث باسم الجيش الاسرائيلي أفيخاي أدرعي مهاجمة معابر على نهر الليطاني بدءًا من ساعات ظهر اليوم، داعيًا السكان إلى التوجه شمال نهر الزهراني.

تحركات فرنسية وعجز عن نزع السلاح

دوليًا، يستمرّ المسعى الفرنسي لوقف الحرب في لبنان في تصدر الحراك الدبلوماسي والدولي، ففي تصريحات لافتة لإذاعة “فرانس إنفو”، وضع المبعوث الفرنسي جان إيف لودريان النقاط على الحروف بخصوص ملف نزع سلاح حزب الله، مؤكداً أنه “لا يمكن للحكومة اللبنانية القيام بهذه المهمة تحت وطأة القصف”.
وأشار لودريان إلى “مفارقة ميدانية” مفادها أن إسرائيل نفسها، بكل ترسانتها، لم تنجح في نزع هذا السلاح، وبالتالي فإنه “من غير المنطقي توقع أن تنجزه بيروت في ثلاثة أيام”.

كارثة إنسانية متفاقمة ودعوات لمبادرة


في قراءة سياسيّة للمشهد العام، سيّما المشهد اللبناني، أشار رئيس تحرير موقع جنوبيّة علي الأمين إلى الكارثة الإنسانيّة التي تكبر في لبنان بسبب ظاهرتي النزوح والدمار التي تشهده عدة مناطق لبنانيّة.
أشار الأمين إلى أن ما لا يقل عن 90 ألف نسمة هُجروا من الشريط الحدودي منذ بداية “حرب الإسناد”، ليرتفع الرقم لاحقًا مع تدمير ما يقارب 45 ألف مسكن بشكل كامل، واصفًا ما يحدث بـ”التهجير المكرر”، حيث اضطر النازحون للانتقال من قرية إلى أخرى بحثًا عن أمان مفقود.
وانتقد الأمين ما أسماه “التعتيم بالقوة” على مآسي الناس، مؤكدًا أن المساعدات الدولية والبدائل التي كانت تتوفر في حروب سابقة غائبة اليوم تمامًا.
سياسيًا، رأى الأمين أن حزب الله “الذي كان يقدم تعويضات في السابق” غائب تمامًا عن المشهد، تاركًا العبء على وزارة الشؤون الاجتماعية التي تفتقر للإمكانات اللازمة لمواجهة كارثة تتطلب تضافر جهود دولية وإقليمية غير متوفرة حاليًا، وقد وجّه دعوة مباشرة للشيخ نعيم قاسم للقيام بـ”مبادرة تاريخية” عبر تسليم السلاح مقابل ضمان عودة الناس إلى بيوتهم وحفظ كراماتهم.

السابق
صوت الشارع يرتفع.. رفع شعارات في شوارع بيروت: «فِدا مين؟» و«لبنان لا يريد الحرب»!
التالي
إسرائيل تُمهّد لـ«الصدمة الكبرى»…والجسور تحت نار القصف