ما هو مصطلح «المناطق التجريبية» في خطة واشنطن المتدرجة لتفكيك أزمة الجنوب؟

المفاوضات اللبنانية الاسرائيلية
يُشير مصطلح «المناطق التجريبية» في العرف الأمني والدبلوماسي إلى اعتماد استراتيجية التدرج والمرحلية في تطبيق الاتفاقات الكبرى بدلاً من فرضها رزمة واحدة على مساحات شاسعة، وهو ما يقلل من نسب الفشل الشامل.

في اللحظة التي كانت فيها العاصمة الأميركية واشنطن تشهد جولة شاقة من المفاوضات المباشرة لإنهاء أزمة الحرب المستعرة في لبنان، بدا أن الدبلوماسية الدولية تحاول صياغة مخارج مبتكرة لتجاوز معضلة الشروط والشروط المضادة بين بيروت وتل أبيب.

ومن رحم هذه الأروقة، ولد مصطلح «المناطق التجريبية» (Pilot Zones)، كآلية تنفيذية متدرجة تهدف إلى تفكيك العقد الأمنية المستعصية جغرافياً وسياسياً. غير أن هذا الطرح، ورغم إدراجه في البيان الثلاثي المشترك الصادر برعاية أميركية، سرعان ما اصطدم بحقائق الميدان اللبناني المعقد، ليبقى المصير معلقاً بين حبر الاتفاقات الدبلوماسية ونار المواجهات المستمرة جنوباً.

ما هي «المناطق التجريبية»؟ (مفهوم الطرح وأبعاده)

يُشير مصطلح «المناطق التجريبية» في العرف الأمني والدبلوماسي إلى اعتماد استراتيجية التدرج والمرحلية في تطبيق الاتفاقات الكبرى بدلاً من فرضها رزمة واحدة على مساحات شاسعة، وهو ما يقلل من نسب الفشل الشامل. وتتخلص الفكرة الأساسية في النقاط التالية:

  • الاختبار الجغرافي المحدود:
    يقوم المقترح على اختيار بقعة جغرافية محددة وضيقة في قطاع جنوب نهر الليطاني، لتكون بمثابة “مختبر” لفحص مدى التزام الأطراف وجدية الضمانات. وفي هذا السياق، كشفت الكواليس عن اقتراح الجانب اللبناني لمدينة بنت جبيل لتكون منطلقاً لهذه التجربة، لما تحمله من رمزية جغرافية وعسكرية.
  • السيادة الحصرية للجيش اللبناني:
    داخل هذه المنطقة المحددة، يُفترض أن ينسحب الجيش الإسرائيلي بالكامل، لتدخل في المقابل وحدات القوات المسلحة اللبنانية، وتتولى السيطرة العسكرية والأمنية والإدارية الحصرية، بحيث لا يُسمح بأي سلطة موازية أو أسلحة خارج إطار الشرعية الرسمية للدولة.
  • إخلاء وتفكيك السلاح غير الحكومي:
    الشرط الجوهري والجسر الذي يربط بين الانسحاب الإسرائيلي وبسط سلطة الدولة هو الإخلاء التام لكافة عناصر «حزب الله» من هذه المنطقة، وتفكيك بنى الحزب التحتية ومنع إعادة تشكيلها، لتصبح البقعة منزوعة السلاح تماماً من أي مظهر عسكري غير تابع للحكومة السيادية.

الهندسة الأميركية: محاولة التوفيق بين المطلبين اللبناني والإسرائيلي

جاء مقترح «المناطق التجريبية» كاستجابة مباشرة ومحاولة ذكية من الراعي الأميركي لتقريب وجهات النظر المتباعدة بشكل حاد بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي خلال الجولة الرابعة من محادثات واشنطن؛ حيث تلبي هذه الصيغة الشواغل الرئيسية لكلا الطرفين:

أ. الموقف اللبناني والثنائي الشيعي

تراجع سقف مطالب الثنائي الشيعي (حركة أمل وحزب الله) الذي يمثله رئيس البرلمان نبيه بري في المفاوضات؛ حيث لم تعد الدبلوماسية اللبنانية تتمسك بالتزامن الفوري الشامل بين وقف النار والانسحاب الكامل وعودة الأهالي والإعمار، بل تقلصت المطالب لتتركز على وقف النار الشامل (بحراً وبراً وجواً) ووقف عمليات التجريف الإسرائيلية للقرى الحدودية. من هنا، يرى لبنان في “المناطق التجريبية” فرصة لانتزاع انسحابات إسرائيلية متدرجة واستعادة السيادة على بعض القطاعات دون انتظار اتفاق السلام الشامل.

ب. الموقف الإسرائيلي والضمانات الأمنية

في المقابل، تصر إسرائيل على الحصول على ضمانات أمنية صارمة وملموسة تقضي بنزع سلاح حزب الله وإبعاده عن حدودها الشمالية قبل الإقدام على أي انسحاب بري. وتوفر “المناطق التجريبية” لتل أبيب فرصة لمراقبة الأداء الميداني للجيش اللبناني والتأكد من قدرته على إخلاء المنطقة من المسلحين، مما يجعلها ورقة اختبار حقيقية لمدى جدية التعهدات اللبنانية.

العقدة اللبنانية المستعصية: سلاح الحزب وعجز الدولة

إذا كانت الشروط الإسرائيلية تمثل عائقاً خارجياً كبيراً أمام نجاح مقترح «المناطق التجريبية»، فإن العقدة الداخلية اللبنانية لا تقل خطورة وتتمثل في عجز الدولة اللبنانية عن تقديم ضمانات تنفيذية حقيقية على الأرض. وتبرز هذه الإشكالية في مستويين:

أولاً: الرفض المطلق من حزب الله
أعلن نائب رئيس المجلس السياسي للحزب، محمود قماطي، رفض الحزب لأي اتفاقات جزئية أو معادلات مقايضة أمنية. ويرى الحزب في مشروع “المناطق التجريبية” ونزع السلاح تراجعاً استراتيجياً يسحب منه ورقة القوة الميدانية، وبالتالي فإنه يبدي ممانعة شرسة لتسليم أي بقعة جغرافية يمتلك فيها نفوذاً تاريخياً مثل بنت جبيل.

ثانياً: حدود قدرة الجيش اللبناني
يجد الجيش اللبناني نفسه في موقف بالغ الحرج؛ فالقرار السياسي في واشنطن يطالبه ببسط سيطرة حصرية واستبعاد الجهات غير الحكومية، لكن المؤسسة العسكرية اللبنانية، وبحسب التوازنات الداخلية المعقدة، لا تملك القدرة ولا الرغبة في الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة مع حزب الله لفرضه بالقوة، مما يجعل “السيطرة الحصرية” مجرد نص مكتوب يفتقد لآليات التطبيق الجبري.

ويمثل التوافق على فكرة «المناطق التجريبية» قفزة دبلوماسية متقدمة في صياغة الحلول المرحلية، لكنه في الوقت نفسه يكشف بدقة عن حدود المناورة الدبلوماسية عندما تصطدم بالواقع الميداني الصلب. إن نجاح هذا الطرح لا يتوقف على صياغة البيانات المشتركة في واشنطن، بل يرتبط بمدى قدرة الراعي الأميركي على كبح جماح الشروط الأحادية الإسرائيلية التي أعلنها كاتس، وفي المقابل، قدرة الدولة اللبنانية على صياغة تفاهم داخلي يتيح للجيش اللبناني ممارسة دور سيادي حقيقي دون الانزلاق إلى فتنة داخلية. وبدون هاتين الركيزتين، ستبقى “المناطق التجريبية” مجرد فكرة نظرية على طاولة المفاوضات، بينما تظل الكلمة الفصل لآلة الحرب والمواجهات المستعرة على أرض الجنوب المنهك.

السابق
اتفاق على أربع مراحل بين واشنطن وطهران… ولبنان حاضر في قلب التفاوض