في مفارقة صارخة تعكس الهوة العميقة بين الأروقة الدبلوماسية والواقع الميداني المتفجر، تسابقت لغة النار وصيغ الاتفاقات السياسية في جنوب لبنان، ففي وقت كانت فيه وزارة الخارجية الأميركية تزف فجراً بياناً ثلاثياً تاريخياً يعلن التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق نار شامل ومشروط بين بيروت وتل أبيب، كانت المقاتلات والمسيّرات الإسرائيلية تشن، صباح اليوم الخميس، موجة اغتيالات واعتداءات دامية استهدفت سيارات مدنية، وفرق إسعاف، ومراكز نازحين، مكرسةً واقعاً ميدانياً يناقض تماماً أجواء التهدئة المفترضة.
مجازر متلاحقة واستهداف ممنهج للبلدات والمسعفين
ميدانياً، ومباشرة بعد الإعلان الدبلوماسي، نفذت الطائرات المسيرة الإسرائيلية سلسلة غارات خاطفة صباح الخميس؛ حيث استهدفت مسيّرة سيارة على الطريق بين بلدتي بفروة وزفتا في قضاء النبطية ما أدى إلى سقوط ضحية، وتزامن ذلك مع ضربة أخرى استهدفت سيارة من نوع “رابيد” على طريق زفتا نفسه، تلاها استهداف لسيارة ثالثة على طريق كفر رمان – حبوش عند مفترق “النجدة الشعبية”. فجراً، ارتكب الطيران الحربي مجزرة جديدة في بلدة الغازية جنوب مدينة صيدا، بعدما أغار على “هنغار” يضم عدداً من العائلات النازحة، ما أسفر عن وقوع إصابات، وذلك بعد ليلة عنيفة شهدت قصفاً مدفعياً مكثفاً طال بلدات المنصوري، ومجدل زون، وديركيفا، وكفردونين، وصولاً إلى الحديقة العامة القريبة من استراحة صور السياحية.
وفي سياق التصعيد الشامل، أعلن مركز عمليات طوارئ الصحة العامة التابع لوزارة الصحة اللبنانية، أن العدو الإسرائيلي نفذ اعتداءه الرابع في أقل من 24 ساعة ضد المنظومة الطبية، مستهدفاً بشكل مباشر فريقاً إسعافياً تابعاً للهيئة الصحية في بلدة زبدين (قضاء النبطية)، ما أدى إلى استشهاد مسعف وإصابة آخر بجروح، وذلك بعد ساعات من استهداف مسعف في عربصاليم وفريق في شحور، وتهديد مستشفى تبنين الحكومي بالاستهداف، وهو الوحيد في الخدمة بقضاء بنت جبيل.
وفي المقابل، عاش الشمال الإسرائيلي حالة من الاستنفار؛ حيث أعلن الجيش الإسرائيلي صباح اليوم تفعيل صفارات الإنذار في الجليل ومحيط بلدة “كفار يوفال” عقب رصد تسلل “طائرة معادية” تبين لاحقاً أنها هدف جوي مشبوه جرى التعامل معه دون إصابات، بينما انطلقت الصفارات في منطقة “عرب العرامشة” جراء خطأ في التعرف على الأهداف.
الكواليس الدبلوماسية: تفاصيل «بيان واشنطن الثلاثي» وشروطه القاسية
سياسياً، جاء هذا الإنزلاق الميداني الخطير بعد ساعات قليلة من صدور بيان مشترك رفيع المستوى عن الولايات المتحدة ولبنان وإسرائيل، أعلن التوصل رسمياً لاتفاق وقف إطلاق النار إثر ختام الجولة الرابعة من المفاوضات المباشرة التي احتضنتها واشنطن يومي 2 و3 حزيران/يونيو 2026، مستندة إلى نقاشات أمنية سابقة جرت في البنتاغون نهاية أيار الماضي.
ووفقاً للبيان الصادر، فإن تنفيذ وقف إطلاق النار يرتبط ارتباطاً وثيقاً بشروط أمنية حازمة وغير قابلة للتجزئة، أبرزها:
- الوقف الكامل والشامل لكافة العمليات العسكرية ونيران «حزب الله» بشكل متزامن بحراً وبرأ وجواً.
- إخلاء جميع عناصر «حزب الله» وسحب تواجدهم المسلح بالكامل من منطقة جنوب نهر الليطاني.
- تفكيك الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة ومنع إعادة تشكيلها أو عودتها مستقبلاً إلى تلك المناطق.
- إنشاء «مناطق تجريبية» (Pilot Zones) عاجلة، تتولى فيها القوات المسلحة اللبنانية (الجيش) السيطرة الحصرية والكاملة على الأراضي، واستبعاد أي جهات فاعلة غير حكومية.
سيادة الدولة وإدانة إيران: سد الطريق أمام “الوصاية الإيرانية”
وفي بعد سياسي يحمل دلالات استراتيجية بالغة، شدد البيان المشترك على أن مستقبل العلاقات بين لبنان وإسرائيل هو قرار سيادي بحت محصور بحكومتي البلدين، معلنين رفضهم القاطع لأي محاولات من دول إقليمية أو جهات غير حكومية لاحتجاز مستقبل لبنان أو فرض الوصاية عليه. وفي هذا الإطار، دانت الأطراف الثلاثة المجتمعة في واشنطن صراحةً الهجمات والأنشطة الإيرانية المستمرة التي تقوض استقرار الشرق الأوسط، سواء عبر دعم الجماعات والوكلاء أو الأعمال العدائية الأخرى.
وختم البيان بتأكيد الطرفين اللبناني والإسرائيلي على عدم وجود أي نوايا عدائية متبادلة، والتزامهما بمواصلة هذه المفاوضات المباشرة لبناء الثقة والعمل نحو اتفاق سلام وأمن شامل برعاية أميركية حصرية، رافضين أي مسارات منفصلة؛ مما يضع الساحة اللبنانية بين فكي كماشة: التزامات دبلوماسية دولية قاسية من جهة، وآلة حرب إسرائيلية مستعرة على الأرض تحاول فرض شروط التفكيك بالحديد والنار قبل جفاف حبر الاتفاق.

