وثائق تستبق زلزالاً؟

منذ اندلاع الثورة السورية التي تقف على مشارف مرور الذكرى السنوية الاولى لقيامها ولدت من رحم "ثورة الارز" اللبنانية ثلاث وثائق خصصت لهذا الحدث بما يعكس تأثيره الساحق على لبنان ويجعله حدثا لبنانيا متماديا. ومن وثيقة "سيدة الجبل" المسيحية الى وثيقة حزب الكتائب، الى وثيقة "تيار المستقبل" اخيرا، تبرز قوى 14 آذار انخراطا سياسيا وفكريا وثقافيا لا يقل كثافة عما تعاملت به مع الانتفاضة التي تحمل اسمها والتي تشاء المصادفة ان تحيي ذكراها السابعة هذه السنة قبل يوم واحد من ذكرى الثورة السورية.
على ان المسألة لا تتعلق بمفارقة رمزية التاريخ وحدها، بل بالمضمون السياسي والفكري لهذه الوثائق التي غالبا ما تكتسب اهميتها من كونها اوراقا حوارية مع الشركاء الآخرين المختلفين في نظرتهم الى الثورة السورية مهما طال زمن القطيعة الداخلية في انتظار نتائج الحدث السوري.

بطبيعة الحال يبدو ضربا من اللاواقعية السياسية ان ينتظر احد وثائق مضادة تصدر عن قوى 8 آذار، لان اي اجتهاد فكري مماثل من هذا المحور الحليف للنظام السوري سيعد بمثابة انقلاب حقيقي في كشف النيات المستورة والتقديرات المتعلقة بمصير النظام. ولكن ذلك لا يعني ان الهاجس السوري لا يعتمل لدى حلفاء النظام بأقل مما يتفاعل علنا لدى خصومه، وربما من هذه الناحية حصرا سيتعين على حلفاء النظام النظر بامعان الى الشق الداخلي الذي تتضمنه الوثائق الثلاث ولو تملكه الرفض التلقائي لمنطلقاتها الاساسية في احتضان الثورة و"ربيعها" السوري الموعود. ذلك ان الوثائق تصب بخلاصاتها، ولو تمايزت تبعا لخصائص كل من الجهات الثلاث التي وضعتها، في وجهة رفع لواء الدولة المدنية المتعايشة وفق النموذج اللبناني المنفتح والتعددي، وكذلك طي الصفحة الماضوية بما فيها تصفية ذيول الآفة المذهبية التي اقتحمت لبنان، وهي نقطة اساسية وجوهرية برزت خصوصا في وثيقة المستقبل".

مفاد ذلك ان لبنان مقبل من دون ادنى شك على منقلب تغييري جذري في واقعه السياسي مهما آل اليه مصير سوريا. فسواء في وثائق 14 آذار الاكثر فصاحة في تبنيها للثورة السورية، او في سياسات 8 آذار الاشد تماسكا في دعمها للنظام، سيقبل الفريقان يوما على واقع لا يبقى معه مفر من مواجهة التعامل مع لحظة التغيير اللبنانية. لن يبقى النظام السوري رافعة "العقيدة السيادية" كخصم لقوى 14 آذار تبني عليها خطابها واداءها وممارساتها. ولن يبقى النظام نفسه الحليف العملاق لقوى 8 آذار. الفريق الاول سيفقد الرافعة الخارجية التي شكلت معظم مسببات انتفاضته، والفريق الثاني سيفقد الظهر القوي ذا القدرة الساحقة في تحالفاته وارتباطاته. وليس اقل من زلزال سياسي قد يكون لبنان متجها نحوه ما لم تعد قواه الحسابات الباردة المسبقة لهذا الاستحقاق غير المسبوق منذ اكثر من اربعة عقود.

السابق
مخاتير في الهيئة الناخبة
التالي
السفير: روسيا وإيران تتحدثان عن مرتزقة لعرقلة الحل وآلاف المقاتلين الأجانب في سوريا