سقوطُ عمود الخيمة وبداية النهاية: قراءة في هلع بنيوي للنظام الحاكم داخل إيران

ايران

ما هي سمات ومختصات الملاذ أو البيئة السياسية والاجتماعية لحكومة الملالي في ظل الظروف الحالية شديدة التحول؟ والمقصود بالبيئة هنا هو الفضاء الذي تتداخل فيه الأحداث الداخلية للسلطة مع الحقائق الموضوعية في الشارع الإيراني وخارجه.

للإجابة على هذا، لا بد أولاً من تقصي ما إذا كانت التفاعلات داخل بنية السلطة قد اتخذت مساراً خاصاً مقارنة بما كانت عليه قبل شهر أو شهرين مثلاً؟ ومن جهة أخرى، ما هي المتغيرات التي طرأت على الواقع الخارجي المحيط بالنظام والتي تجعل من الضروري ربط التحولات الداخلية بها؟

لقد أثبتت القوانين التاريخية منذ القدم أن تداعيات الحروب وأصداءها تفرز تحولات عميقة تجعل من المستحيل عودة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل اندلاعها؛ إذ تفتح الحروب جروحاً غائرة في جسد الأنظمة الهشة تعيد رسم مختصات الصراع بالكامل. والتطبيق العملي والملموس لهذه القاعدة يظهر بوضوح اليوم في عمق بنية نظام الملالي، حيث تشهد السلطة اضطرابات وتلاطمات مهارة ومستعصية على الاحتواء، تختلف تماماً في طبيعتها وحدتها عما كانت عليه قبل الحرب التي اندلعت قبل 4 أشهر (في فبراير/شباط 2026).

آلية العقاب الذاتي الديناميكي وارتداد الماضي

إن الأدبيات واللغة التي يتبادلها مسؤولو النظام وعناصره هذه الأيام—سواء في تصريحاتهم أو مقالاتهم—ليست سوى انعكاس لعقاب ذاتي ديناميكي (Auto-dynamic) يرتد عليهم جراء ما اقترفوه منذ 11 فبراير/شباط 1979 وحتى اليوم.

وفي ذلك المنعطف من تاريخ إيران، كانت السمة البارزة للتيار اللامبني (الرعاع والبلطجية) الذي قاده خميني ومحمد بهشتي ضد القوى التقدمية ومجاهدي خلق، تتلخص في الجهل، والتعصب ، والعقلية القروسطية، والاحتكار المطلق للسلطة، وعداء الحرية. وظل هذا التيار، على مدى العقود الأربعة الماضية، هو الوجه المهيمن والعمود الفقري للنظام القائم على سلطة الولي الفقيه.

وإذا ما تمت العودة إلى نشريات المقاومة الإيرانية (مثل نشرية مجاهد) في ذلك الوقت، يُلاحظ أنها كانت تحذر مسؤولي السلطة باستمرار من أن آثار هذه التيارات الرعاعية وأساليبها الفاشية ستدور دورتها وتلتهم صناعها في نهاية المطاف. وكان هذا التنبؤ نابعاً من وعي تاريخي وسياسي عميق بطبيعة النظام، ومكوناته القائمة على اللامبنية والشمولية المطلقة؛ وها هي الأيام تدور لتثبت صحة تلك القراءات في عمق الهيكل الحالي للنظام.

شهادات من الصحافة الحكومية تعري جوهر النظام

سلطت صحيفة آرمان امروز الحكومية في عددها الصادر يوم 8 يوليو/تموز 2026 الضوء على جانب من هذه الأدبيات المتبادلة بين مسؤولي النظام وأتباعهم؛ وفي هذا السجال، يتبنى أقطاب الصراع الداخلي ذات الأوصاف التيطلما أطلقتها القوى التقدمية على النظام قبل 47 عاماً:

نرى اليوم من يتربصون بـ ‘العقل’. أولئك الذين يعتبرون ‘التعصب’ ديناً و’التفرقة’ سبيلاً للنجاة. هذه ‘الكائنات الأيديولوجية’، الغارقة في الجهل والسطحية عند تحليل القضايا الاجتماعية والسياسية، تغرق في عالم خيالي من الشعارات الجوفاء.

واللافت في هذه الاعترافات أن القائمين على هذه الصحف—أو أسلافهم الذين يتولون اليوم مهمة كشف وتعرية العصابات المنافسة—كانوا أنفسهم بين عامي 1979 و1981 من أشد المدافعين عن الجهل، والتعصب، وصناعة التفرقة، وكسر الأقلام، ومأسسة التفتيش العقائدي في الدوائر والجامعات؛ ونفذوا تلك الممارسات القروسطية ضد كل نزعة تحررية وضد المساواة بين المرأة والرجل، واصطفوا كصيادين لرجال المقاومة والأحرار جنباً إلى جنب مع سفاحين من أمثال أسد الله لاجوردي وسعيد إمامي.

لكن منطق التاريخ يجبرهم اليوم على تقديم شهادة حية تدين خيانتهم المستمرة منذ 47 عاماً بحق الشعب الإيراني، حيث كتبت الصحيفة:

الخيانة الحقيقية هي الاعتماد على أساليب العصور الوسطى في عالم اليوم، لإبقاء أمة تتوق إلى التقدم والعدالة مكبلة بالتعصب الأعمى.

حصار النار واهتزاز الخيمة

إن هذا التفتت والانهيار البنيوي الذي يعصف بتركيبة السلطة لا ينبغي قراءته كحالة عفوية أو وليدة الصدفة؛ بل هو نتاج حتمي لعدة عوامل موضوعية متفاعلة:

الانهيار الكامل للرأسمال الاجتماعي للنظام وافتقاره لأي حاضنة حقيقية.

عبور الغالبية الساحقة من المجتمع الإيراني لخطوط المنظومة، ورفضها للنظام برُمته.

الآثار السياسية والاجتماعية المستمرة لدماء الشهداء في انتفاضة يناير/كانون الثاني 2026 والانتفاضات التي سبقتها.

الضربة الاستراتيجية والجبرية التي تلقاها النظام في الحرب الخارجية الأخيرة.

النهاية الأبدية للهيمنة المطلقة لـ الولي الفقيه، مما يعني عملياً سقوط عمود خيمة النظام سياسياً ودينياً ودستورياً.

إن مجموع هذه المختصات والسمات يرسم مشهداً واقعياً لتلاطم مهار ومستعصٍ على الحل؛ مشهد يجسد بدقة حال الذئاب المحاصرة داخل طوق من النيران، حيث لا يملك أقطابها سوى تصفية بعضهم البعض بينما تقترب النار من الهيكل بأكمله.

السابق
إيران بعد يونيو 2026: صراع البراغماتيين والحرس على حافة الهاوية