أثار تصريح رئيس بلدية نيويورك المنتخب حديثاً زهران ممداني زوبعة سياسية ودبلوماسية واسعة النطاق على المستويين الأميركي والدولي بعد كشفه عن مشاورات نشطة تجريها إدارته لبحث إمكانية توقيف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو عند وصوله إلى المدينة للمشاركة في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة المقررة في شهر أيلول سبتمبر المقبل.
وجاءت هذه التصريحات الحادة خلال مقابلة صحفية نشرتها «نيويورك تايمز» عبر البث الصوتي البودكاست «The Interview» لتفتح الباب أمام مواجهة قانونية وسياسية معقدة بين سلطات المدينة المحلية والإدارة الأميركية الفيدرالية.
تصريحات ممداني: نتانياهو مجرم حرب ومكانه «لاهاي»
أكد زهران ممداني (الذي تسلم منصبه كعمدة لنيويورك في الأول من يناير 2026 كأول رئيس بلدية مسلم ومن أصول آسيوية للمدينة) تمسكه بالوعود التي أطلقها خلال حملته الانتخابية بشأن ملاحقة المسؤولين الصادرة بحقهم مذكرات توقيف دولية:
وصرح ممداني علناً قائلاً “أعتقد أن رئيس الوزراء نتانياهو مكانه الطبيعي هو لاهاي” في إشارة إلى مقر المحكمة الجنائية الدولية التي أصدرت مذكرة اعتقال بحق نتانياهو بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في قطاع غزة.
وجدد ممداني انتقاداته الحادة لإسرائيل واصفاً إياها بـ «نظام الفصل عنصري» ومشدداً على أن وصف نتانياهو بمجرم الحرب هو رأي يتبناه الكثيرون في العالم نظراً لما خلفته أفعاله العسكرية على مدار السنوات الماضية.
وأقر رئيس البلدية بأنه يجري حالياً «محادثات نشطة» مع القسم القانوني للمدينة لمعرفة حدود صلاحياته التنفيذية وما إذا كان يملك الحق القانوني في إصدار أمر لشرطة نيويورك (NYPD) بتوقيف مسؤول أجنبي. وأوضح أنه لن يسعى لتعديل القوانين بل سيفعل كل ما يسمح به القانون الحالي في نيويورك دون تجاوز القيود التشريعية.
العوائق القانونية: لماذا يرى الخبراء خطوة ممداني «بلا أساس»؟
رغم النبرة السياسية العالية لعمدة نيويورك يواجه هذا التوجه عوائق قانونية وتشريعية في غاية الصرامة تجعل من تنفيذ الاعتقال أمراً شبه مستحيل من الناحية العملية بحسب فقهاء القانون الدولي والجمهوريين:
غياب الولاية القضائية: الولايات المتحدة الأميركية ليست عضواً في نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية وبالتالي فإن المحكمة لا تملك أي ولاية قضائية داخل الأراضي الأميركية.
القوانين الفيدرالية الصارمة: يمنع القانون الفيدرالي الأميركي بشكل قاطع الحكومات المحلية والبلديات من التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية. كما تحظر القوانين الفيدرالية الأخرى احتجاز أو عرقلة مسار المسؤولين الأجانب ورؤساء الدول الذين يتمتعون بحصانة دبلوماسية كاملة أثناء زياراتهم الرسمية.
موقف حاكمة الولاية: سبق لحاكمة ولاية نيويورك كاثي هوشول أن حسمت الجدل القانوني مبكراً بتأكيدها علناً أن رئيس بلدية نيويورك لا يملك الصلاحية القانونية والدستورية للقيام بمثل هذه الإجراءات الأمنية.
حصانة مقر الأمم المتحدة: تخضع الوفود الأجنبية المشاركة في أعمال الأمم المتحدة لاتفاقية مقر الأمم المتحدة لعام 1947 والتي تمنح حصانات دبلوماسية صارمة تمنع السلطات المحلية والاتحادية من توقيف القادة السياسيين أثناء توجههم للمنظمة الدولية.
موقف واشنطن من الجنائية الدولية: لا تعد الولايات المتحدة الأميركية عضواً في المحكمة الجنائية الدولية ولم تصادق على نظام روما الأساسي مما يعني أن مذكرات التوقيف الصادرة من لاهاي لا تملك قوة تنفيذية تلقائية لدى الأجهزة الأمنية الأميركية دون قرار سياسي من البيت الأبيض أو وزارة العدل الاتحادية.
ردود الفعل الغاضبة: تل أبيب وواشنطن تهاجمان رئيس البلدية
قوبلت تصريحات ممداني بهجوم مرتد وعنيف من الأوساط الدبلوماسية الإسرائيلية والإدارة الأميركية الحالية:
رد بنيامين نتانياهو: قلل رئيس الوزراء الإسرائيلي من أهمية هذه التهديدات في مقابلة إذاعية متهماً ممداني بالوقوف إلى جانب حركة حماس ومعاداة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة التي تقف كتفاً بكتف مع القيم الأميركية.
تحدي السفير الإسرائيلي: كتب سفير إسرائيل لدى الأمم المتحدة داني دانون رداً حاداً أكد فيه أن كلمات ممداني لن تغير شيئاً وأن نتانياهو سيأتي إلى نيويورك وسيلقي خطابه أمام الجمعية العامة بكل فخر ليعلن حقيقة إسرائيل وحقها في الدفاع عن مواطنيها مضيفاً “إذا كان هناك شخص يجب توقيفه فهو ممداني نفسه”.
الموقف الفيدرالي الأميركي: تبدي إدارة الرئيس دونالد ترامب عداءً علنياً صريحاً للمحكمة الجنائية الدولية حيث فرضت واشنطن عقوبات مشددة على مسؤولي المحكمة الدولية بسبب تحقيقاتهم ضد إسرائيل.
وفي السياق ذاته شن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو هجوماً لاذعاً على المحكمة واصفاً إياها بـ «المحكمة العالمية المتطرفة» التي تهدد السيادة الأميركية وأنظمة العدالة الوطنية.
يظهر هذا التسجيل المصور لقطات من حفل تنصيب زهران ممداني عمدة لمدينة نيويورك مطلع عام 2026 وسط حضور لافت ومؤيد لتياره السياسي: مراسم تنصيب عمدة نيويورك زهران ممداني 2026 وهو يوضح الخلفية السياسية التي انطلق منها العمدة في صياغة مواقفه المثيرة للجدل تجاه القضايا الدولية.
أبعاد سياسية وخلفيات المشهد داخل «الحزب الديمقراطي»
تأتي مواقف زهران ممداني لتعكس التحولات الجوهرية الجارية في القواعد الانتخابية داخل مدينة نيويورك وعلى مستوى الجناح التقدمي في الحزب الديمقراطي:
انقسام حول الدعم المطلق:
يرى مراقبون سياسيون أن خطوة ممداني تحظى بتأييد واسع من الحركات الاحتجاجية المناهضة للحرب والمنظمات الحقوقية داخل نيويورك والتي تضغط باستمرار لإنهاء الدعم العسكري والاقتصادي غير المشروط لتل أبيب وفي المقابل تواجه هذه التصريحات هجوماً حاداً من التيارات التقليدية في الحزبين الديمقراطي والجمهوري ومنظمات الضغط المؤيدة لإسرائيل والتي تعتبر تصريحات رئيس البلدية تجاوزاً للأعراف الدبلوماسية وتهديداً للمصالح الاستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط.

