احتدام الصراع بين الدبلوماسية والتصعيد داخل طهران

ايران

كشفت الهجمات التي شنتها إيران على سفن بالقرب من مضيق هرمز، وما أعقبها من ضربات استهدفت قواعد أميركية في المنطقة، عن احتدام الصراع داخل طهران بين تيار يسعى إلى الحفاظ على المسار الدبلوماسي مع واشنطن، وآخر يدفع نحو التصعيد والمواجهة.

وبدأ التصعيد مساء الاثنين 6 يوليو (تموز) باستهداف سفن تجارية قرب مضيق هرمز، واستمر يوم الثلاثاء، قبل أن يتطور فجر الأربعاء إلى هجمات على مواقع أميركية، عقب تنفيذ قوات القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) ضربات استهدفت أكثر من 80 هدفًا في جنوب إيران.

وأعلنت طهران أنها استهدفت 85 هدفًا، قالت إن جميعها مصالح أميركية.

وفي الداخل الإيراني، سارعت وسائل الإعلام المتشددة إلى تصوير المواجهة باعتبارها دليلاً على فشل مذكرة التفاهم الموقعة مع واشنطن في يونيو (حزيران) الماضي، أو أنها لم تكن سوى وسيلة لكشف النوايا الأميركية.

ورأت صحيفة “همشهري”، التابعة لبلدية طهران، أن “مذكرة التفاهم” لم تكن تنازلًا من إيران، بل دليلًا على اعتراف واشنطن بقدراتها الصاروخية ونفوذها الإقليمي.

وأضافت الصحيفة أن المواجهة البحرية الأخيرة أثبتت أن أي محاولة من الولايات المتحدة أو حلفائها لفرض شروط خلال فترة تنفيذ الاتفاق الممتدة 60 يومًا ستؤدي إلى تعريض طرق إمدادات الطاقة العالمية للخطر.

وأما الصحف المتشددة الأخرى، وعلى رأسها “كيهان”، فذهبت إلى أبعد من ذلك.

فقد كتب رئيس تحريرها، حسين شريعتمداري، بنبرة اعتبرها كثيرون تعكس شعورًا بالانتصار، أن “سراب الدبلوماسية الذي استمر 60 يومًا” قد تبدد تمامًا كما توقع، معتبرًا أن الضربات الأميركية دليل على “الخيانة المتأصلة في واشنطن وعجزها البنيوي عن الالتزام بأي مذكرة تفاهم”.

ولا تبدو هذه التطورات مجرد مواجهة عسكرية، بل تعكس أيضًا اتساع الانقسام داخل دوائر صنع القرار في إيران بين فريق يسعى إلى المضي قدمًا في التفاهم مع واشنطن، وآخر يرى أن الرد الوحيد الكافي هو الانتقام المباشر من الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، ورئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو.

وخلال الشهر الماضي، شن المتشددون في طهران، الذين اعتبروا بقاء النظام انتصارًا على الولايات المتحدة، هجومًا حادًا على الرئيس مسعود بزشكيان بسبب توقيعه “مذكرة التفاهم” مع واشنطن.

وأكدوا أن ترامب كان قبل الاتفاق يواجه ضغوطًا سياسية واقتصادية داخلية، وأن إيران كان بإمكانها انتزاع شروط أفضل.

ورغم أن أجواء الغضب التي رافقت مراسم تشييع علي خامنئي لا يمكن تجاهلها، فإن الانقسام بين المتشددين والبراغماتيين في طهران يبدو عاملًا رئيسيًا وراء عودة التصعيد، خاصة بعد التصريحات التصالحية التي أدلى بها ترامب بشأن السماح بإقامة جنازة سلمية للرجل الذي كان قد أمر باغتياله.

وأيًا كان السبب المباشر للتصعيد، فقد أدى إلى تعزيز نفوذ التيار المتشدد.

وأظهرت مقاطع فيديو متداولة من مراسم التشييع في طهران قيام متشددين برشق وزير الخارجية، عباس عراقجي، بالحجارة، مرددين هتافات ضد الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان.

وفي السياق نفسه، دعا عضو البرلمان المتشدد، حميد رسائي، الأربعاء، إلى استهداف مقر إقامة ترامب بصاروخ خلال زيارته إلى أنقرة لحضور قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، بينما قال عضو لجنة الأمن القومي في البرلمان محمود نبويان إن المسلمين في مختلف أنحاء العالم “مطالبون بمهاجمة ترامب كما هوجم سلمان رشدي”.

وفي افتتاحيتها الأربعاء، ذهبت صحيفة “همشهري” إلى أبعد من ذلك، معتبرة أن استهداف المصالح الأميركية في الكويت والبحرين يثبت أن تكلفة المواجهة لن تبقى محصورة داخل الأراضي الإيرانية.

وأضافت الصحيفة أن قرار واشنطن إلغاء الإعفاءات الخاصة بصادرات النفط الإيرانية يرقى إلى مستوى “حرب اقتصادية شاملة”، ويبرر ردًا مماثلًا يتمثل في إغلاق مضيق هرمز.

وحذرت بالقول: “إذا لم تتمكن إيران من بيع نفطها بحرية، فلن يُسمح لأي دولة في المنطقة بتصدير الطاقة”.

من جهتها، دعت صحيفة “كيهان” حكومة بزشكيان إلى التخلي عن إطار اتفاق يونيو الماضي، وفرض قيود على الملاحة البحرية، والانتقال إلى ما وصفته بـ”عقيدة دفاعية غير مقيدة” تحت قيادة المرشد الجديد، مجتبى خامنئي.

وفي المقابل، أعلن عدد من المسؤولين، من بينهم المتحدث باسم لجنة الأمن القومي في البرلمان، إبراهيم رضائي، ومحسن رضائي، المستشار العسكري لمجتبى خامنئي، استعداد إيران لخوض مواجهة عسكرية.

كما حذر رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة، حبيب الله سياري، من أي عملية برية محتملة، قائلاً: “إذا أنزل العدو قواته على السواحل الإيرانية، فإن جنوده سيدخلون إلى جحيم لا مخرج منه”.

وقد لاقت هذه التصريحات انتشارًا واسعًا على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث سخر منتقدون منها، معتبرين أنها وصفت، من دون قصد، الأوضاع السائدة داخل إيران نفسها.

السابق
حزمة قرارات حكومية طارئة: تفعيل مطار «رنيه معوض»، وتأمين بيوت جاهزة للنازحين، واتفاقيات قضائية مع المغرب