مراسم باهتة وفشل في استعراض القوة.. تكلفة تشييع جثمان خامنئي الباهظة تثير غضب الإيرانيين

ايران

تتناول ردود الفعل على مراسم الدفن الرسمية للمرشد الراحل، علي خامنئي، مختلف جوانب هذا الحدث، بدءًا من غياب مجتبى خامنئي، وصولاً إلى محاولات النظام الإيراني إظهار المراسم على أنها حاشدة ومكتظة بالمشاركين، رغم تقديمها رسميًا بوصفها “استعراضًا للقوة والشعبية”.

وأشار عدد من متابعي “إيران إنترناشيونال” إلى الصور المنشورة من مصلى طهران، مؤكدين أنه رغم الحشد الواسع، والضغوط، وفرض العطلة، وتوفير وسائل نقل مجانية، والإمكانات التنظيمية التي سخرتها السلطات، فإن الحكومة لم تتمكن حتى من ملء المساحة التي خصصتها للمراسم.

ويرى هؤلاء أن ضعف الحضور، رغم كل هذه الإجراءات، يمثل فشلاً سياسيًا وأزمة واضحة في شرعية النظام.

وتعكس هذه الرسائل، بحسب أصحابها، أن النظام الإيراني لم يعد قادرًا حتى على إنجاح “استعراضاته” أمام الرأي العام.

وفي نظر كثير من المواطنين الإيرانيين، تجسد هذه المراسم مظاهر الإخفاق البنيوي الذي انتهى، بعد 47 عامًا من حكم النظام إلى واقع يتسم بالفقر والدمار والإذلال وتراكم الغضب الشعبي.

وأضافوا أن التكاليف الباهظة لتنظيم مثل هذه المراسم تُدفع من أموال المواطنين، في وقت يعجز فيه كثير منهم عن تأمين قوت يومهم أو سداد فواتير المياه والكهرباء، ويضطر بعضهم إلى إطعام أطفاله بما تبقى من هياكل الدجاج لسد الجوع.

رشق طاولة المفاوضات بالحجارة

تناول جزء آخر من رسائل المتابعين مقاطع فيديو نُشرت يوم مراسم التشييع، ظهرت فيها مشاهد لرشق صور الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بالحجارة بشكل رمزي.

وكتب أحد المتابعين، تعليقًا على تلك المشاهد، أن النظام الذي ينظم اليوم عرضًا من هذا النوع ضد ترامب، سيجلس الأسبوع المقبل إلى طاولة المفاوضات مع الطرف نفسه.

ويرى أصحاب هذه الرسائل أن هذا التناقض يعكس بوضوح طبيعة السياسة الخارجية للنظام الإيراني ط.

وبحسب رأيهم، فإن النظام الإيراني دأب على إطلاق شعارات حادة واستعراضية في خطابه الداخلي، لكنه يجد نفسه في نهاية المطاف مضطرًا إلى التفاوض وتقديم التنازلات.

التكلفة الباهظة لدفن خامنئي
تركز جانب كبير من ردود الفعل على التكاليف المعلنة وغير المعلنة لهذه المراسم، والتي يرى المواطنون أنها أُنفقت في وقت تراجعت فيه القدرة الشرائية للإيرانيين بشكل حاد، ولا سيما بعد الحرب، واتسعت رقعة الفقر.

وأشارت رسائل كثيرة إلى تدهور الأوضاع المعيشية، مثل اختفاء اللحوم والدجاج ومختلف مصادر البروتين من موائد كثير من الأسر، ووصول شرائح من المجتمع إلى مرحلة تكافح فيها من أجل البقاء.

ويرى أصحاب هذه الرسائل أن أولويات الإنفاق لدى إيران ظلت دائمًا بعيدة عن الاحتياجات الحقيقية للمواطنين، وأن هذه المراسم ليست سوى امتداد لهذا النهج.

وأضافوا أن حتى الحربين الأخيرتين، والحصار البحري، والعقوبات، ومقتل مسؤولين، والعزلة الإقليمية، لم تدفع النظام إلى تغيير أولوياته.

فبحسب رأيهم، لا يزال النظام يوجه الموارد العامة، ليس لتحسين حياة المواطنين، بل لاستعراض القوة، وحشد مؤيديه، وإعادة رسم صورة عن هيبته، وهو استعراض يعتبر كثيرون أنه أخفق هذه المرة أيضًا.

تكلفة تفوق جنازات زعماء العالم

لم تُعلن أي أرقام رسمية وإجمالية بشأن حجم الإنفاق على مراسم تشييع جثمان خامنئي.

ومع ذلك، حاول عدد من المواطنين في رسائلهم تقدير حجم هذه النفقات، التي شملت، بحسب تقديراتهم، المواكب، والمياه والطعام، والإقامة، ووسائل النقل، واستقدام الجماعات الحليفة، إلى جانب الأعمال الإنشائية على طول مسار المراسم، مثل إزالة الحواجز الخرسانية الخاصة بمسار الحافلات السريعة (BRT)، وتركيب الجدران الخرسانية، وغيرها من الإجراءات.

وقدّر بعض المتابعين تكلفة هذه المراسم بنحو 800 مليون دولار، وقارنوها بجنازات عدد من قادة العالم خلال السنوات الأخيرة.

وأشاروا، على سبيل المثال، إلى جنازة الملكة إليزابيث الثانية، التي بلغت تكلفتها، وفق الأرقام الرسمية للحكومة البريطانية، نحو 200 مليون دولار، رغم أنها شهدت حضور مئات المسؤولين الأجانب، وعرض النعش لعدة أيام في وستمنستر، وتغطية إعلامية عالمية، وانتشار عشرات الآلاف من عناصر الشرطة والجيش، إضافة إلى أيام من الحداد الوطني.

ويكتسب هذا التشبيه أهمية خاصة، بحسب رسائل المواطنين، لأن جنازة الملكة إليزابيث، إلى جانب ما رافقها من ترتيبات أمنية وبروتوكولية واسعة، كانت حدثًا عالميًا استقطب تغطية إعلامية ضخمة، وحقق أيضًا عوائد اقتصادية من خلال السياحة وحقوق البث التلفزيوني.

كما أشار المتابعون إلى وفاة سلطان عُمان، السلطان قابوس بن سعيد، في يناير (كانون الثاني) 2020، وأمير دولة الكويت، الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، في سبتمبر (أيلول) 2020.

وقد أُقيمت مراسم تشييع ودفن الزعيمين، وفق التقاليد الإسلامية، خلال فترة زمنية قصيرة نسبيًا.

ورغم عدم الإعلان رسميًا عن تكلفة جنازتيهما، فإن التقارير المنشورة حول تفاصيل المراسم تشير إلى أنهما كانتا أكثر بساطة وأقل تكلفة بكثير من المراسم الرسمية الضخمة التي أقامها النظام الإيراني رغم أن سلطنة عُمان ودولة الكويت من الدول الثرية، وأن المراسم الملكية والإجراءات الأمنية فيهما قد تكون مرتفعة التكلفة.

وفي المقابل، أنفقت إيران أموالًا طائلة على مراسم دفن زعيم كان يصف نفسه بأنه “قائد المستضعفين في العالم”، بينما يواجه المواطنون في بلاده الفقر، والتضخم، وتأخر صرف مستحقات المتقاعدين، وديون الحكومة لصناديق التأمين، والتراجع الحاد في القدرة الشرائية.

وتساءل المواطنون في رسائلهم: كيف لنظام ظلّ لسنوات يصف احتفالات 2500 عام على تأسيس الإمبراطورية الفارسية في عهد أسرة بهلوي بأنها “إهدار للمال العام”، أن يستخدم اليوم الأموال العامة لتنظيم مراسم باهظة التكلفة ويعتبرها دليلًا على القوة؟

وأضافوا أن النظام الإيراني، طوال الأعوام السبعة والأربعين الماضية، لم يخصص مثل هذه الموارد المالية والتنظيمية للاحتفالات الوطنية للمواطنين، من “ليلة يلدا” (ليلة الانقلاب الشتوي وأطول ليالي السنة في إيران)، وجهارشنبه سوري (مهرجان تقليدي إيراني لوداع آخر شمس في السنة الفارسية يقام في آخر أربعاء من السنة الفارسية)، وعد النوروز، لكنه سخّر إمكانات الدولة المالية والتنفيذية لإقامة مراسم عزاء مرشده القتيل.

ويرى كثير من المتابعين أن النظام الذي يحتاج إلى الحشد الإجباري، وإعلان العطلات، والدعاية الرسمية، وتسخير إمكانات الدولة، وحتى مشاركة عناصر من خارج البلاد لإظهار شعبية زعيمه، لم يعد قادرًا على الادعاء بأنه يتمتع بشرعية شعبية.

ويخلص هؤلاء إلى أن هذه المراسم، بدلاً من أن تعكس قوة النظام، قدمت صورة عن سلطة تعاني العجز؛ فهي غير قادرة على معالجة الأزمة المعيشية للمواطنين، ولا تملك رصيدًا شعبيًا كافيًا لتوديع زعيمها، ولا تستطيع تنظيم مثل هذه المناسبة دون فرض الضغوط وإثقال كاهل المجتمع.

السابق
«الجيش اللبناني» يداهم منازل مطلوبين في «الشراونة» بعلبك: توقيف سوريَّين وضبط أسلحة ومخدرات