بيروت السبعينيات… حين صارت هانوي العرب
في تاريخ لبنان محطات تتكرّر كجرسٍ لا يتوقف: كلّما استُدرجت البلاد إلى لعبة السلاح المستورد، دفع اللبنانيون أثمان السيادة، وفقدت الدولة دورها، وصارت بيروت منصّة لصراعات غيرها.
عام 1975، حين دوّى الرصاص في عين الرمانة، لم يكن أحد يدرك أن العاصمة ستتحوّل مقراً لياسر عرفات وجيشه، وملاذاً لليسار اللبناني. صارت بيروت آنذاك “هانوي العرب”، منطلقاً للمقاومة الفلسطينية ومختبراً لثورات اليسار.
لكن الثمن كان فادحاً: سيادة متآكلة، طوائف منقسمة، ودولة عاجزة. دخلت سوريا بدباباتها، ثم إسرائيل بمدرعاتها، وفي النهاية خرج عرفات مهزوماً إلى تونس… تاركاً لبنان خراباً مثقلاً بالجراح.
حزب الله… النسخة الأخطر من تجربة السبعينيات
الدرس كان صارخاً: كل بندقية تأتي من خارج الحدود تحمل مشروعاً لا يشبه لبنان، وتنتهي بتفجير الدولة بدل حمايتها. واليوم، بعد نصف قرن، يقف لبنان أمام النسخة الأخطر من تلك التجربة: حزب الله.
إقرأ أيضا: لاريجاني والوصاية الإيرانية: كفى صمتاً… حان وقت الطرد!
لكن الفارق كبير. فـمنظمة التحرير كانت جسماً خارجياً استضافه لبنان، أما حزب الله فهو جسد لبناني بروح إيرانية، ومنظومة متكاملة: حزب في البرلمان، جيش موازٍ، مؤسسات اجتماعية، وخطاب عقائدي جذوره في طهران. إذا كان تحالف السبعينيات مجرد زورق رُبط بسفينة فلسطينية، فإن حزب الله هو السفينة نفسها… بربان إيراني ومحركات تعمل وفق أجندة إقليمية.
تصدّع الهيبة… خطة نزع السلاح على الطاولة
ما بدا قدراً لا يُكسر، أصابته تصدّعات في الأسابيع الأخيرة. فالحرب الأخيرة مع إسرائيل أضعفت الحزب عسكرياً، وكشفت كلفة السلاح على الداخل اللبناني. فجأة، برز صوت الدولة عبر رئيس الحكومة نواف سلام، معلناً في أيلول 2025 بدء تنفيذ خطة لنزع السلاح غير الشرعي تحت سلطة الجيش.
إنه الإعلان الأخطر منذ الطائف: للمرة الأولى منذ عقود، تجرؤ الحكومة على وضع بندقية الحزب على طاولة القرار.
إقرأ أيضا: الخطأ الذي كشف كل شي؟ صور قادة «الحزب» من داخل منشآته السرية تثير الجدل
مفترق بيروت… بين الولادة الثانية والتكرار المأساوي
بيروت التي احتضنت عرفات ثم ودّعته، هي نفسها التي سمحت لحزب الله أن يبني دولة داخل الدولة. واليوم، بيروت نفسها أمام مفترق حاسم:
إما أن تعود إلى منطق الدولة عبر خطوة سلام، أو تكرّر المأساة حيث يقرّر الخارج مصيرها.
اختبار وجودي… هل يستعيد لبنان نفسه؟
ما يجري اليوم ليس تفصيلاً. إنه اختبار وجودي: هل يستطيع لبنان أن يستعيد نفسه، أم يبقى رهينة سلاح يفرض أجندة لا يملكها؟
نجاح خطة نواف سلام لا يُقاس بعدد الصواريخ التي تُسلَّم، بل بقدرة الدولة على بناء بدائل اقتصادية واجتماعية، وصياغة سياسة خارجية متوازنة، وإرادة داخلية ترفع المصلحة الوطنية فوق الانقسام الطائفي.
بين البحر والتاريخ
إما أن يكون هذا الإعلان بداية ولادة ثانية للجمهورية، أو أن ينضم إلى سلسلة بيانات لم تغيّر شيئاً.
التاريخ يصرخ: كل بندقية مستوردة تحمل صاحبها إلى البحر. لكن البحر هذه المرة قد لا يبتلع القائد وحده… بل الوطن كله.

