أحدث غياب علي خامنئي عن المشهد السياسي والديني الإيراني هزة بنيوية عميقة في هيكلية النظام الثيوقراطي القائم على نظرية «ولاية الفقيه». وإذا كان الانتقال السياسي للسلطة قد جرى بترتيبات أمنية سريعة قادها الحرس الثوري ومؤسسات النظام لتعيين الابن «مجتبى خامنئي» في سدّة الولاية، فإن الإشكالية الكبرى والشرخ الأكثر خطورة تجسدا في المحاولات الحثيثة والمستعجلة من قِبل مجموعة من رجال الدين المرتبطين بالسلطة للتسويق له كـ «مرجع ديني مؤهل للتقليد».
في الفقه الشيعي الإمامي، لا تُمنح رتبة «مرجع التقليد» بقرار سياسي، أو وراثة عائلية، أو بتزكية من أجهزة أمنية. بل هي نتاج مسار علمي وعملي معقد يتطلب عقوداً من الدراسة والبحث
تطرح هذه القفزة السياسية-الفقهية مفارقة عقائدية وتاريخية بالغة الحساسية؛ فالمؤسسة الحوزوية والشيعية التقليدية قامت لقرون على ضوابط صارمة وقاسية، تفصل مسار «المرجعية الدينية» القائم على التدرج العلمي الطويل ونيل إجازات الاجتهاد، عن مسارات التعيين السياسي واللوجستي.
إن الاضطرار إلى إلباس «مجتبى» عباءة المرجعية لم يكن ترفاً فكرياً، بل ضرورة ملحة لمنح «الولي الفقية» الجديد مشروعيته الدستورية والشرعية، مما فتح الباب واسعاً أمام تساؤلات مشروعة في الأوساط الحوزوية في قم والنجف: هل تحولت المرجعية الشيعية إلى أداة تابعة لضرورات الدولة السياسية؟ وبأي مستندات شرعية يحاول فقهاء السلطة تبرير هذه الأهلية؟
أولاً: الضوابط الصارمة للمرجعية الشيعية التقليدية
في الفقه الشيعي الإمامي، لا تُمنح رتبة «مرجع التقليد» بقرار سياسي، أو وراثة عائلية، أو بتزكية من أجهزة أمنية. بل هي نتاج مسار علمي وعملي معقد يتطلب عقوداً من الدراسة والبحث. ويمر الفقيه الراغب في الوصول إلى هذه المرتبة بمراحل رئيسية:
- الوصول إلى رتبة الاجتهاد المُطلق: وهي القدرة على استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية (الكتاب، السنة، الإجماع، والعقل)، بعد إتقان علوم أصول الفقه، والرجال، والدراية، واللغة.
- شهدوا له بالأعلمية: لا يكفي أن يكون الشخص مجتهداً ليُقلَّد، بل يجب أن يشهد له أهل الخبرة (وهم الفقهاء والمجتهدون البارزون في الحوزات العلمية) بأنه «الأعلم» أو من بين الأعلم في زمانه.
- العمق التدريسي (البحث الخارج): يُشترط في المرجع أن يكون قد أمضى سنوات طويلة في تدريس «البحث الخارج» (وهي أعلى مراحل الدراسة الحوزوية)، حيث يستعرض أدلة الفقهاء ويفككها، ويحضر دروسه مئات الطلاب والمجتهدين الذين يراقبون عمقه العلمي.
إن مقام «مرجعية التقليد» في الوجدان الشيعي ليس منصباً تشريعياً استعلائياً يُدار بالمراسلات المكتوبة والبيانات الافتراضية عبر منصة «إكس»؛ بل هو موقع يقوم أساساً على التفاعل اليومي المباشر، واستقبال الاستفتاءات، ومواكبة النوازل الطارئة للمجتمع، والإجابة عن شكوك الناس ومسائلهم العبادية والمعاملاتية عبر مكتبه وحوزته
هذه الضوابط التاريخية والشرعية شكلت دائماً حصانة للمرجعية الشيعية من التسييس، وجعلت الحوزة العلمية (خاصة في النجف الأشرف، وتاريخياً في قم) كياناً مستقلاً عن سلطة الحكومات.
ثانياً: المستندات الشرعية والتبريرات السياسية لفقهاء النظام
أمام هذا الجدار الفقهي السميك، لجأ رجال الدين والعلماء الأصوليون الموالون للنظام في طهران وقم إلى صياغة تبريرات ومستندات حاولت التوفيق بين «الضرورة السياسية» و«الشرعية الفقهية»، ويمكن تصنيف هذه التبريرات إلى ثلاثة مستندات أساسية:
1. استغلال تعديل الدستور لعام 1989 (الفصل بين المرجعية والولاية)
المستند القانوني والتاريخي الأبرز الذي يتكئ عليه النظام يعود إلى التعديل الدستوري الذي جرى في أواخر حياة آية الله الخميني عام 1989. في الدستور الأول (1979)، كان يُشترط في الولي الفقيه أن يكون مرجعاً أعلى للتقليد. ولكن نظراً لعدم توفر هذا الشرط في علي خامنئي آنذاك، تم تعديل المادة (109) ليصبح الشرط هو توفر «الكفاءة العلمية اللازمة للإفتاء في مختلف أبواب الفقه»، دون اشتراط الأعلمية أو المرجعية الفعلية. يسوق فقهاء السلطة هذا التعديل للقول إن إشغال منصب الولي الفقيه سياسياً وإدارياً لا يتطلب بلوغ مرتبة المرجعية العليا ابتداءً، وأن إدارة شؤون الأمة وتدبير مصالح الدولة الإسلامية هو الملاك الأهم في اختيار الحاكم.
2. دعوى «الاجتهاد المتجزئ» والشهادات الشفهية
للتغطية على غياب «رسالة عملية» مطبوعة لمجتبى خامنئي (وهي الدليل التقليدي على المرجعية)، بدأ المقربون من الدائرة السياسية بقم بالترويج لشهادات وإجازات اجتهاد شفهية أو مكتوبة من فقهاء مرتبطين بمؤسسات الدولة (مثل مجلس صيانة الدستور وجماعة المدرسين في حوزة قم). وادعوا أن مجتبى تصدى لتدريس «البحث الخارج» في حوزة قم لأكثر من عقد من الزمن، وأن عدم ظهوره العلني كان لدواعي الزهد والسرية الأمنية.
3. فقه المصالح العليا للدولة (التقدم بالأهم على المهم)
يعتمد هذا المستند على قاعدة «حفظ النظام» التي أسسها الخميني، والتي تعتبر أن الحفاظ على الدولة الإسلامية هو أوجب الواجبات، ويتقدم على الأحكام الفرعية الأخلاقية أو الفقهية. يرى هؤلاء المنظرون أن بقاء سدة الولي الفقيه فارغة، أو تسليمها لشخصية لا تحظى بدعم الحرس الثوري والأجهزة الأمنية، قد يؤدي إلى انهيار النظام وتشتت المجتمع. بناءً على ذلك، يصبح «التسويق» لمجتبى كمرجع ضرورة شرعية لحماية بيضة الإسلام والنظام، حتى وإن كانت مؤهلاته الفقهية التقليدية دون المستوى المطلوب.
4. لغز الغياب والمفارقة اللوجستية: كيف يُفتي الفقيه المتواري؟
تتبدى المفارقة الأكثر غيابية واستعصاءً في هذا المشهد عند التساؤل عن الكيفية التي يمكن بها لفقيه متوارٍ عن الأنظار منذ مقتل والده، وغائبٍ تماماً حتى عن قيادة مراسم التشييع وإدارة مفاصل الدولة بحضور علني، أن يؤدي مهامه الفقهية والروحية المباشرة مع المقلدين؟
إن مقام «مرجعية التقليد» في الوجدان الشيعي ليس منصباً تشريعياً استعلائياً يُدار بالمراسلات المكتوبة والبيانات الافتراضية عبر منصة «إكس»؛ بل هو موقع يقوم أساساً على التفاعل اليومي المباشر، واستقبال الاستفتاءات، ومواكبة النوازل الطارئة للمجتمع، والإجابة عن شكوك الناس ومسائلهم العبادية والمعاملاتية عبر مكتبه وحوزته.
إن محاولة تسويق «مجتبى خامنئي» كمرجع للتقليد وهو في حالة احتجاب أمني وسياسي كامل، يضع فقهاء السلطة في مأزق مبررات وعرة:
- فصل المرجع عن حوزته: كيف يمكن لطلاب «البحث الخارج» والعلماء التثبت من “أعلمية” فقيه لا يستطيعون نقاشه علناً في أروقة الحوزة أو مراقبة تطور فتاواه ونقوضه العقائدية؟
- إدارة الأمة بالوكالة والأجهزة: إن إدارة شؤون التقليد والفتاوى عبر قنوات أمنية موازية أو لجان استفتائية بالوكالة، يُفقد المنصب الديني ميزته الأخلاقية الكبرى القائمة على التواصل الروحي، ويحول «المرجعية الشيعية» إلى مجرد “مؤسسة بيروقراطية مبرمجة” تخضع لظروف الاختفاء والظهور التي تمليها هواجس الحرس الثوري، مما يعزز أطروحة المعارضين بأن هذا التكليف هو محض غطاء سياسي لا صلة له بالشروط التاريخية للمرجعية.
ثالثاً: مأزق الشرعية ومفهوم «الاستخفاف» بالمرجعية
تطرح هذه الممارسات إشكالية وجودية حول طبيعة التحول الذي طرأ على المؤسسة الدينية في إيران. ويرى منتقدو هذا المسار (سواء من المستقلين في قم أو من المدارس التقليدية في النجف) أن ما يحدث يمثل ذروة «الاستخفاف والابتذال» بالمقام السامي للمرجعية الشيعية، وذلك لعدة اعتبارات:
- ضرب استقلالية الحوزة: تحولت عملية “صناعة المرجع” من عملية نقدية علمية تدور في أروقة المدارس الفقهية، إلى عملية دعائية وإعلامية تديرها الماكينات الأمنية والسياسية.
- اهتزاز الثقة الشعبية: عندما يرى المقلدون والمؤمنون أن رتبة المرجعية الدينية تُمنح بقرارات وتزكيات سياسية لتأمين التوريث أو انتقال السلطة، فإن فجوة الثقة تتسع بين المجتمع والمؤسسة الدينية، مما يسرع من وتيرة العلمانية والابتعاد عن التدين التقليدي داخل المجتمع الإيراني.
- أزمة الرفض الصامت: يواجه هذا التسويق معارضة صامتة ومكتومة من مراجع تقليد كبار في قم والنجف، والذين يرفضون الاعتراف بأعلمية أو حتى باجتهاد الولي الفقيه الجديد، مما يوجد ازدواجية خطيرة: ولي فقيه يمتلك سلطة السجن والمال والجيش والإدارة، ومراجع تقليد يمتلكون سلطة القلوب والشرعية الدينية والتقليد المالي العقائدي (الخمس).
المفارقة الأكثر غيابية واستعصاءً في هذا المشهد عند التساؤل عن الكيفية التي يمكن بها لفقيه متوارٍ عن الأنظار منذ مقتل والده، وغائبٍ تماماً حتى عن قيادة مراسم التشييع وإدارة مفاصل الدولة بحضور علني، أن يؤدي مهامه الفقهية والروحية المباشرة مع المقلدين؟
إن محاولة تسويق «مجتبى خامنئي» كمرجع ديني مؤهل للتقليد عقب غياب والده، تمثل نموذجاً صارخاً لـ «تسييس الفقه» وإخضاع الأحكام الشرعية الضابطة لضرورات البقاء السياسي. ورغم نجاح النظام في فرض هذا الخيار ميدانياً وإدارياً عبر قوة الحرس الثوري وتواطؤ فقهاء السلطة، إلا أن هذا الخيار يظل فاقداً للمشروعية الروحية والحوزوية الحقيقية. لقد وضعت هذه المفارقة المرجعية الشيعية أمام تحدٍ تاريخي غير مسبوق، كشف حدود قدرة الدولة على هندسة العقيدة، وأثبت أن استباق المراحل الفقهية لاعتبارات سياسية قد يحمي النظام على المدى القصير، لكنه يقوض ركائز شرعيته الدينية على المدى الطويل.

