حرب تموز 2006 بين النصر الإلهي واللطف الإلهي

يُصِرُّ حزب الله في ثقافته الجهادية والعسكرية والقتالية على إطلاق عنوان: "النصر الإلهي" على ما جرى في حرب تموز 2006 هذه الحرب التي وإن كانت عدوانية وهمجية من جانب إسرائيل الشر المطلق، ولكنها أثارت جدلية فقهية وسياسية بخصوص من كان المسبب لها، وجاءت بعد ذلك التحليلات والتحقيقات ليكشف حزب الله أن إسرائيل كانت تُعِدُّ لها بسبب ومن غير سبب، كما هي تُعِدُّ الآن لما تُسمِّيه الحرب الأخيرة مع حزب الله!

وقد تمكن حزب الله ومن ورائه الشعب اللبناني بأسره، بل من وراءه كل الحلفاء والداعمين الماديين والمؤيدين المعنويين في الداخل والخارج، من لبنانيين وغير لبنانيين، تمكن حزب الله – مستفيداً من كل ذلك – من الصمود في وجه المخطط الإسرائيلي العسكري الذي كان يريد الوصول عبر الاجتياح البري إلى نهر الليطاني الحدود العقائدية الأيديولوجية لدولة إسرائيل الكبرى، وكان هذه المرة يُخطط لطرد الجنوبيين كلياً من المنطقة الشمالية لدولته المزعومة تماماً كما فعل بالفلسطينيين سنة 1948، ولكن حزب الله ومن وراءه ومعه أفشلوا هذا المخطط، وما تلته من مخططات عسكرية مُعلنة من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي أثناء سير العمليات العسكرية الميدانية.

اقرأ أيضاً: أمين المقاومة في ذكرى حرب تموز يعرض الأمن العسكري وينسى الأمن الاقتصادي

وهنا ثارت جدلية فكرية وعقائدية في عنوان ما تمكن حزب الله واللبنانيون ومن معهم من تحقيقه في هذه الحرب، هل كان ذلك نصراً إلهياً أم كان لطفاً إلهياً؟

النصر يكون بالقضاء على العدو، وحزب الله تمكن من قتل الكثير من جنود العدو ولكنه لم يُنهِ الوجود العسكري لهذا العدو بالكلية، وهو وإن استطاع أن يوقف زحف العدو البري، واستطاع قتله في المواجهات البرية، ولكن هذا العدو حافظ على تفوقه في القتال عبر الجو من خلال المئات من طائراته الحربية القتالية والاستطلاعية التي أهلكت الحرث والنسل وطالت جميع المناطق اللبنانية، ومسحت مناطق بأسرها عن وجه الخريطة، ودمَّرت ما يزيد عن مئتي مصنع من المصانع اللبنانية المهمة المنافسة لإسرائيل في الاقتصاد العربي والعالمي، كما تمكنت من تدمير أكثر من مئة وخمسين ألف وحدة سكنية لتُشرِّد ما يقرب من ربع الشعب اللبناني خارج البيوت، كما حرثت جميع الطرقات الرئيسية لتعيث فساداً في البنى التحتية اللبنانية ، وألقت في جنوب لبنان ما يقرب من أربع ملايين قنبلة عنقودية بعدد أفراد الشعب اللبناني هدفت من خلالها أن تُفرغ الجنوب من سُكانه، وحاصرت اقتصاد لبنان براً وبحراً وجواً، وقضت على مساحات شاسعة من الزراعات اللبنانية المهمة، كما محت العشرات من دور نشر الفكر الإسلامي في الضاحية الجنوبية، ومنعت إسرائيل المقاومة من استخدام كل طاقاتها الصاروخية البعيدة المدى من خلال الطلعات المكثفة لسلاح الجو الإسرائيلي الذي وإن تم إسقاط طائرة مروحية أو أكثر من عديده، وإسقاط أكثر من طائرة استطلاع من عديده، ولكن طائراته الحربية النفاثة بقيت تعمل بكامل طاقتها وبحرية كاملة طوال أيام الحرب التي كانت مُرشَّحة لتزيد عن الثلاثة وثلاثين يوماً.
والذي أوقف الحرب يومها هو قبول حزب الله في آخرها بانتشار الجيش اللبناني على الحدود الجنوبية وهو الذي كان من جملة المطالب الإسرائيلية لوقف العدوان، ومن مطالبه منع الظهور المسلح للمقاومة في المناطق المحررة عام ألفين وانتشار قوات الطوارئ فيها وعند مداخلها إلى جانب الجيش اللبناني والقوى الأمنية اللبنانية الرسمية، وقد رضي حزب الله بكل الشروط الإسرائيلية لوقف الحرب، وجاء التدخل القطري في مجلس الأمن ليُجرِّم إسرائيل وليساعد على وقف عملياتها الحربية ضد لبنان، ولولا كل ذلك لاستمر العدوان ولو لأيام ولقضى على الكثير من أحلام اللبنانيين. فهل بعد كل ما جرى يمكننا أن نعتبر ما جرى نصراً إلهياً، فإذا كانت قدرة الله تعالى تدخلت في تلك الحرب وهلك من جهتنا ما هلك من الحرث والنسل وقُتل من قتل ودُمِّر ما دمر!

اقرأ أيضاً: «حرب تموز» بعد 13 عاماً: كيف ينظر اللبنانيون إليها؟

فكيف لو لم تتدخل القدرة الإلهية؟ والنصر يكون بالقضاء على العدو لا بالصمود في وجهه، فهل قدرتنا على تحمل العدوان يمكن اعتبارها نصراً بالمفهوم الحربي وفي القاموس العسكري؟ وهل محاولاتنا لأذية العدو في الداخل الفلسطيني تعادل أذاه لنا في الداخل اللبناني لنعتبر ما جرى نصراً إلهياً ؟ فالحق أن يقال: إن عناية الله تعالى ولطفه قد شملت المجاهدين في الميدان والصابرين من أهل المعاناة لنتمكن من الصمود في وجه العدوان ونمنعه من تحقيق بعض أهدافه، وإن كان قد حقق القسم الأكبر منها مما عُرف يومها ببنك الأهداف الإسرائيلية وذلك من خلال تدميره البنية التحتية والمصانع اللبنانية، وتشريد أكثر من ربع الشعب، وفرض حركة غير منتظمة في كل قطاعات الدولة دامت لسنوات بعد وقوف الحرب، فما جرى في حرب تموز 2006 هو لطف إلهي بامتياز وليس نصراً إلهياً بالمصطلح الحربي والقتالي بدون انحياز…

آخر تحديث: 20 أغسطس، 2019 6:12 م

مقالات تهمك >>