في كل عام، يعود عيد الغدير محمولًا على أكتاف الخطب والبيانات والمنشورات والصور الملوّنة والتهاني المتبادلة. تمتلئ الصفحات بعبارات المحبة والولاء، وتزدحم الجدران الإلكترونية بصور السيوف والرايات والعمائم، حتى يخال المرء أن الأرض امتلأت عدلًا وأخوّةً وإنصافًا.
لكن ما إن ينتهي الاحتفال، حتى يبدأ موسم آخر.
موسم التخوين الإلكتروني
هناك، على ضفاف “فيسبوك”، تنشأ نسخة حديثة من العلاقات الإنسانية. أخوّة سريعة التحضير، لا تحتاج إلى معرفة ولا تجربة ولا موقف نبيل. يكفي أن تضغط زر الإعجاب المناسب في الوقت المناسب لتصبح من أهل القربى، وأن تتأخر عن التصفيق قليلًا لتصبح من المشكوك في ولائهم.
في العالم الافتراضي الجديد، لم تعد الأخلاق هي معيار العلاقة، بل الاصطفاف. ولم يعد الإنسان يُقاس بما يحمل من قيم، بل بما يرفعه من شعارات. وأصبح الاختلاف في الرأي جريمة تستحق المحاكمة الفورية أمام محكمة التعليقات.
الغريب أن كثيرين يحتفلون بالغدير بوصفه مناسبة للولاية، لكنهم ينسون أن الولاية قبل أن تكون شعارًا كانت مسؤولية أخلاقية. وأن عليًا (ع) الذي نرفع اسمه لم يكن يحتاج إلى جيوش إلكترونية تدافع عنه، بل كان يحتاج ــ وما زال ــ إلى أناس يشبهونه في عدله وإنصافه واحترامه للناس.
ما أكثر الذين يتحدثون عن الإمام، وما أقل الذين يحاولون الاقتراب من أخلاقه.
المحبة وقبول المختلف
نختلف اليوم على كل شيء تقريبًا. على السياسة، وعلى الدين، وعلى التاريخ، وعلى تفسير الأحداث الجارية. وهذا أمر طبيعي. لكن غير الطبيعي أن يتحول الاختلاف إلى مناسبة لإلغاء الآخر، أو إلى رخصة أخلاقية للإهانة والتجريح والتشهير.
لو عاد كثير من المتخاصمين على صفحات التواصل إلى كلماتهم بعد ساعات من الغضب، لاكتشفوا أنهم دافعوا عن الإمام بلغة لا تشبه الإمام، وانتصروا للعقيدة بأساليب تهزم العقيدة نفسها.
ربما كانت المشكلة أننا حولنا المناسبات الدينية إلى مواسم لإثبات الانتماء بدل أن تكون فرصًا لمراجعة الذات.
نرفع شعار المؤاخاة، لكننا نعجز عن احتمال رأي مختلف. نتحدث عن المحبة، لكننا نمارس الكراهية باسمها. ونحتفل بالولاية، بينما نتنازل يوميًا عن أبسط معاني العدالة والرحمة.
لذلك، ليس السؤال في عيد الغدير: كم منشورًا كتبنا؟ ولا كم صورة نشرنا؟ ولا كم معركة إلكترونية خضنا؟
السؤال الأصعب هو: هل خرج الناس من مجالسنا وصفحاتنا وهم أكثر احترامًا للإنسان؟ هل جعلتنا المناسبة أكثر تواضعًا؟ هل تعلمنا منها شيئًا من أخلاق الإمام علي (ع)؟
أما المؤاخاة الفيسبوكية، فهي غالبًا لا تعيش أكثر من منشور، ولا تصمد أمام أول اختلاف.
وكل عام وأنتم بخير… ولعلنا نحتاج إلى شيء من أخلاق الغدير أكثر مما نحتاج إلى الضجيج الذي يُقام باسمه.

