حين تنتهي المعارك وتبدأ الحسابات… من الرابح ومن الخاسر؟

في السياسة كما في الحروب، لا تُقاس النتائج بالشعارات بل بالوقائع. وبعد أشهر طويلة من الحرب والتصعيد على الجبهة اللبنانية الجنوبية، ثم الانتقال إلى مرحلة المفاوضات والترتيبات الأمنية، يطرح اللبنانيون سؤالاً مشروعاً: من ربح فعلاً ومن خسر؟ وهل نجح حزب الله في حماية لبنان، أم أنه انتهى إلى مقايضة الجنوب بالضاحية وبيروت؟ وهل تكون إسرائيل في النهاية هي الرابح الأكبر؟

سقوط المسلّمات القديمة

خلال سنوات طويلة، قام خطاب حزب الله على سردية واضحة: حماية لبنان، وردع إسرائيل، ومنعها من فرض شروطها. كما روّج الحزب لمفهوم “وحدة الساحات” الذي يعني أن أي مواجهة مع إسرائيل لا تبقى محصورة بجبهة واحدة. لكن ما شهدناه خلال المرحلة الأخيرة يدفع إلى إعادة النظر في هذه السرديات كلها.

فالمفاوضات التي كانت تبدو مستحيلة قبل أشهر فقط أصبحت واقعاً. والدولة اللبنانية أصبحت الطرف الرسمي الذي يتحدث باسم لبنان، والجيش اللبناني عاد ليحتل موقعاً أساسياً في أي ترتيبات تخص الجنوب. أما المجتمع الدولي، وعلى رأسه الولايات المتحدة، فقد ركّز جهوده على تثبيت الاستقرار جنوباً ومنع عودة المواجهة العسكرية.

مكاسب الدولة اللبنانية… ولكن

من هذه الزاوية، يمكن القول إن الحكومة اللبنانية حققت مكسباً سياسياً مهماً. فبعد سنوات طويلة من تراجع دور الدولة أمام نفوذ السلاح، استعادت المؤسسات الشرعية جزءاً من دورها الطبيعي. وللمرة الأولى منذ زمن طويل، عاد الحديث عن الجيش والدولة والقرار الرسمي باعتبارها المرجعية الأساسية في الملفات الأمنية الكبرى.

لكن هذه المكاسب تبقى ناقصة. فالدولة لم تستعد بعد احتكارها الكامل للسلاح، ولم تتمكن من فرض سيادتها الكاملة على جميع الأراضي اللبنانية. لذلك فإن ما تحقق حتى الآن هو تقدم سياسي أكثر منه تحولاً جذرياً في موازين القوى الداخلية.

ماذا ربح حزب الله؟

أما حزب الله، فقد تمكن من تحقيق بعض المكاسب أيضاً. فقد حافظ على وجوده السياسي والتنظيمي، ولم يخرج من المعادلة اللبنانية. كما نجح في منع فرض استسلام سياسي كامل عليه، وبقي لاعباً أساسياً لا يمكن تجاهله في أي ترتيبات تخص الجنوب.

إلا أن الثمن الذي دفعه الحزب كان كبيراً. فالواقع الجديد يختلف جذرياً عن الواقع الذي كان قائماً قبل الحرب. فالقرار الأمني في الجنوب لم يعد كما كان، ودور الدولة أصبح أكثر حضوراً، كما أن النقاش حول مستقبل السلاح انتقل من كونه موضوعاً داخلياً إلى قضية مطروحة بقوة على المستويين الإقليمي والدولي.

هل قايض الحزب الضاحية بالجنوب؟

هنا يبرز السؤال الأكثر حساسية: هل قايض الحزب بيروت والضاحية بالجنوب؟

قد تبدو العبارة قاسية، لكنها تعكس قراءة سياسية متداولة لدى عدد كبير من اللبنانيين. فبعد الدمار الهائل الذي أصاب مناطق نفوذ الحزب والضغوط العسكرية غير المسبوقة، أصبح الهدف الأول هو حماية البيئة الحاضنة ومنع انتقال الحرب إلى قلب الضاحية الجنوبية وبيروت. وفي سبيل تحقيق ذلك، بدا أن الحزب قبل بترتيبات أمنية في الجنوب لم يكن يقبل بها سابقاً.

بمعنى آخر، انتقل من استراتيجية هجومية قائمة على الردع وتوسيع نطاق المواجهة إلى استراتيجية دفاعية هدفها الأساسي حماية الداخل اللبناني، وخصوصاً المناطق التي تشكل مركز ثقله السياسي والشعبي.

إذا صح هذا التوصيف، فإن الجنوب يكون قد تحول من منطقة مواجهة مفتوحة إلى منطقة تخضع لترتيبات أمنية أكثر تشدداً، فيما حصلت الضاحية وبيروت على درجة أكبر من الحماية والاستقرار. وهذا ما يدفع بعض المراقبين إلى الحديث عن مقايضة غير معلنة بين أمن المركز وأمن الأطراف.

إسرائيل… الرابح الأكبر؟

لكن السؤال الأهم يبقى: من هو الرابح الأكبر؟

إذا اعتمدنا معيار الأمن القومي الإسرائيلي فقط، فإن إسرائيل تبدو اليوم في موقع المستفيد الأول. فمنذ سنوات طويلة كان الهاجس الإسرائيلي الأساسي يتمثل في الجبهة الشمالية والتهديد الذي تشكله الصواريخ والقوات المنتشرة قرب الحدود. أما اليوم، فإن الأولوية الدولية أصبحت ضمان هدوء الجنوب اللبناني ومنع أي تصعيد جديد.

لقد نجحت إسرائيل في نقل النقاش من قضية الاحتلال والصراع المفتوح إلى قضية الأمن الحدودي والاستقرار. كما تمكنت من دفع المجتمع الدولي إلى التركيز على منع التهديدات القادمة من الجنوب اللبناني أكثر من التركيز على معالجة جذور النزاع نفسه.

والأهم من ذلك أن شمال إسرائيل، الذي عاش سنوات طويلة تحت هاجس المواجهة، قد يحصل على فترة استقرار طويلة إذا نجحت الترتيبات الحالية في الصمود. وإذا تحقق ذلك فعلاً، فإن أحد أهم الأهداف الاستراتيجية الإسرائيلية يكون قد تحقق.

لكن القول إن إسرائيل ربحت كل شيء سيكون مبالغة أيضاً. فهي لم تحصل على اتفاق سلام مع لبنان، ولم تُنهِ وجود حزب الله، ولم تستطع فرض واقع سياسي جديد بالكامل داخل لبنان. ولذلك فإن مكاسبها، مهما كانت كبيرة، تبقى جزئية وليست مطلقة.

حرب غيّرت قواعد اللعبة

في المحصلة، لا تُقاس نتائج هذه المرحلة بما قيل خلالها، بل بما تغيّر فعلياً على الأرض. فقد حافظ حزب الله على حضوره السياسي والتنظيمي، لكنه خرج بهامش حركة أضيق وبضغوط أكبر على دوره وسلاحه. واستعادت الدولة اللبنانية جزءاً من موقعها ومؤسساتها، لكنها لا تزال بعيدة عن بسط سيادتها الكاملة. أما إسرائيل، فقد حققت مكاسب أمنية واستراتيجية واضحة تجعلها، حتى الآن، الطرف الأكثر استفادة من التحولات التي فرضتها الحرب.

ومع ذلك، فإن النتيجة الأهم لم تُحسم بعد. فاستمرار الهدوء وترسيخ دور الدولة قد يفتحان الباب أمام مرحلة جديدة في لبنان، بينما قد يؤدي تعثر التفاهمات إلى إعادة إنتاج الأزمة بأشكال مختلفة. لذلك يبقى الحكم النهائي مرتبطاً بما ستكشفه السنوات المقبلة، لكن المؤكد أن الحرب غيّرت قواعد اللعبة، وأن لبنان يقف اليوم أمام مفترق حاسم سيحدد شكل الدولة وموازين القوة فيه لسنوات طويلة قادمة.

أبرز التعديلات كانت لغوية وإملائية وترقيمية فقط، مع إضافة عناوين فرعية تعزز انسيابية القراءة وتناسب النشر الصحفي والتحليلي.

السابق
من زرع أجهزة التنصت إلى استخدام المسيرات.. كيف تحولت حدود أذربيجان إلى منصة إسرائيلية لاستهداف طهران؟