المعركة على سورية باتت بين وجهتين غاية في التعنت، تقاتل كل منهما حتى النهاية الموجعة المؤلمة، لكلّ منهما سقفها العالي وعدّتها الشرعية. معركة "داحس والغبراء السورية" لا تشبه الأزمنة والأمكنة التي نعيش فيها، فاذا تنازل النظام مجاناً عن حجارته الصلبة الموصوفة فهذا يعني في سرّ المعركة "كشّ ملك" وأنه يدمر نفسه ويتشظّى من الداخل، خاصة أن عدة الشطرنج التي "يتكتك" بها الآن باتت في متناوله وأحسن من ذي قبل، فأحجاره تستطيع التحرّك في كل الاتجاهات، وما كان محظوراً ومنعدم التصرف سابقاً نظرا الى هشاشة الموقف الروسي، أضحى اليوم أكثر احتمالاً للهرب بالمشكلة إلى الأمام، وإذا نزل "كش ملك" لرغبة الجماهير فمطلب الجماهير ولغته باتت أكثر وضوحاً ولا احتمالية في صبرها وهي إلى السلاح، الذي لم يتوقف أصلاً، در!! (في ظل تنامي المجاميع المسلحة والمنظمة تحت كتاتب طائفية تبدأ من "خالد بن الوليد" ولا تنتهي "بعبيدة بن الجراح)، ولا أتعجب إن وصل بها الأمر لشهيد القاعدة "زياد الجراح". فلا حلول على الطريقة المصرية، ولا من دور لنائب الرئيس كما تم إخراجه سعوديا على الطريقة اليمنية. وليبيا خارج القواميس العالمية في لغة سورية. الرسالة الخالدة التي ترسل إشاراتها لكل الخارج ويتقنها النظام ما زالت تقول: لا حل من غير الأسد، وباقي الديكور نتقاسم فرضياته ولا يحسم ساحته إلا الأسد ذاته. وما عادت لتنفع جامعة الدول العربية، التي لم يحترمها أصلاً حكام العرب لتحترمها الشعوب العربية المزهرة المنتشية بربيعها ليس كأي وقت مضى. وما برح عجز الجامعة تراكمياً فهي لم تمنع أو توقف المجزرة على جنين، ومثلها على الفلوجة كما على كل العراق، وفي حرب تموز "الإسرائيلية" على لبنان لم تفلح، وفي غزة يا للهول فقد بان بياض براءتها الأبيض كالسلاح المنضب الذي لم يشبع جوع "إسرائيل" التواق للمزيد من الحصيد الفلسطيني! إن دمشق ما زالت بنظر الغرب بيت المقاومات العربية، وإفراغها من مضمونها هو نصف الطريق إلى الجنة "الإسرائيلية"، وما نصف الطريق الباقية من الخطة العشرية لمحاصرة إيران، تيّمنا بالطريقة العراقية التي أسقطت نظام صدام حسين، إلاّ إسقاط دمشق ساعة لا تنفع النأي بالنفس اللبنانية إلا إغناء الجوع "الإسرائيلية"، وغناء هلالها المبرمج في لبنان حقداً، وجوعاً لخبرها اليقين في تجفيف منابع السلاح المقاوم للانقضاض عليه.
يقول بعض العرب الخليجيين إن الأزمة السورية والفوضى بكليتها قد وصلت فعلا الى نقطة البحث عن مخرج مشرف للدكتور بشار الأسد. وموسكو هي الواجهة لهذا التنحي المشرف، حيث وصل إليها جيفري فيلتمان بالتزامن مع المبعوث "فرنسيا" وليد جنبلاط، وكان قد سبقهما إليها وليام بيرنز، ووزير خارجية تركيا داود أغلو حاملاً رسائل تركية إلى كبار مسؤوليها. باعتقادي، إن المبادرة العربية لن تكون أساساً لقرار دولي في مجلس الأمن خلافاً لرغبة سورية، ومن يتصرف باعتبارها وكأنها غير موجودة سيصاب بالهزيمة المعنوية والقانونية والعملية، وإن أي كلام حول الثمن الذي تريده موسكو للإفراج عن القرار هو في غير محله. إن روسيا لم تأبه في الماضي لعقود قيمتها 40 ملياراً من الدولارات الصرفة قد أبرمت لتأهيل قطاع النفط العراقي قبل سقوط النظام بشهرين فقط، ومن يحاول بيع القرار الروسي بالمال هو حالم في عالم رأسمالي استعماري. إن روسيا تحاول أن تلعب ورقة الدور المحتمل في حل الأزمة، خصوصاً أن دول الطوق السوري بمجملهم في الصداقة مع "إسرائيل"، وإن روسيا العائدة بحذر على الساحة الدولية قد حاولت مراراً مراقبة حالة ما يسمى "الربيع العربي" عن بعد، إلا أن نظرية التحكم عن بعد لم تعد لائقة دولياً بحق روسيا، وستصبح كالربع الخالي للطامعين الجدد بكعكة التحكم الاستعماري إذا دخلت روسيا بقوتها على خط الصراع، وقد تكون "الحالة الليبية" هي الأمثل، إذا لم يطبق ما اتفق عليه، وصار لزاماً أن تفهمهم روسيا بقوة بأن الخديعة التي تعرضت لها ستأخذ ثمنها كاملة في سورية، وأن الإستراتيجية الأميركية التي تعرف قيمة "إسرائيل" الإستراتيجية كقاعدة أميركية متقدمة في الشرق الأوسط، يجب أن تقابلها قيمة سورية وجودية وحية، مضافة إلى الدبلوماسية الروسية المتنبهة. إن نظرية سقوط إيران من سورية بدأت مفاعيلها الخليجية. لقد فتحت النافذة على تدويل غير عسكري، والذي يقول أن الفيتو الصيني بات غير مستبعد بعد الاتفاقيات النفطية التي وقعتها الصين مع السعودية، وبعد جولة لرئيس وزراء الصين في الخليج، هو حقا لا يعرف السطوة والهيمنة الأميركية على دول الخليج، وعليه أن يعود للرئيس الأميركي باراك أوباما في خطاب "حالة الإتحاد" عام 2012 ، ليتعرف الى ما رافقه من إهانة كلية للصين، وبرأيي لن ترد الصين إلا بمزيد من حماية إضافية لصناعاتها الوطنية، وفي الاقتصاد والسياسة فليخسأ الأميركيون إلى يوم الدين الذي يغرق إقتصادهم، ويجبرهم في السياسة على النحو إلى المزيد من الإرتداد الداخلي!
في معرض الحوادث السورية الخطيرة، وسياسات الإملاء الفاشلة لحينه المتأتية خارجياً، والتي ما زالت تتخبط أمام هيمنة الأسد على قرار السيادة، برز بقوة دور الدبلوماسية السورية الحادة والصلبة في رفض قرار الجامعة العربية بإرسال مراقبين على الطريقة الخليجية، وما توقيف عمل المراقبين الآن إلا ثمرة نجاح الدبلوماسية السورية. إن دبلوماسية القرار لم تعط الأمر للحكومة السورية بإبرام البروتوكول مع الجامعة العربية إلا بعدما صار شفافاً وبدون مطبات كما جرى لبنانياً تحت البند السابع، إبان إبرام بروتوكول "المحكمة الدولية الخاصة بلبنان" وسرقة السيادة من أصحاب الشأن، وكما حصل عراقياً إبان توقيع بروتوكول التفتيش مع "وكالة الطاقة الذرية" بعد قرار الأمم المتحدة المتعلق به. وأمام هول المشهد اللاسيادي الذي يدهشني يومياً، لا يبدو برهان غليون أكثر من ديكور لمسرحه بين جموع اللاعبين والأهداف المعلنة والمخبوءة، فأنا كمواطن أحمل من الغيرة على بلدي ما يكفي لأكون سفيراً وخفيراً صالحا لها، لا يستثيرني مشهد قواعد "المعارضات السورية المتحدة" شكلاً وهي لا تعلن براءتها من كل رموزها التي تقيم علاقات مع العدو الصهيوني، قبل أن أعود وأدعوها علناً لإعلان انحيازها الكامل لجبهة المقاومة الوطنية ضد العدو الصهيوني، وإعلان أن دمشق ستبقى بيت المقاومات العربية حتى ولو لفظيا في حال أسقط نظام الدولة الذي يحكمه "الأسد". لا عذر أيها العيد، لا تمر ببابي فأنا لست جاهزاً لاستقبالك ولا يسعني أن أتحمل نفسي تصفيقاً لك ولنسلك وهم يمعنون يومياً بارتباطاتهم والتزاماتهم مع الإدارة الأميركية والتركية والفرنسية والبريطانية والخليجية، وأعرف انه إذا لزم الأمر سيتعاونون مع جزر القمر لاستكمال المؤامرة. وإذا سألتكم لماذا لا تطرح معارضتكم موقفاً يعكس وعيها الثقافي وتتلقف فداحة المخططات الأميركية التي تستهدف سورية أرضاً وشعباً وفي قرارها الحر الاستراتيجي والسيادي؟! بماذا ستجيبون؟ يا سيد الأمس القريب، بلغني أنكم كبرهان غليون، قائد "المعارضات السورية المتحدة" حالياً، لكم إرث فرنسي رائد في العلمنة والدولة المدنية وأشكال الإدارة السليمة، وأنا كنت على هذا اليقين قبل أن يعرفني المدعي عليه "الربيع العربي" بنسخته الجديدة على حضرتكم الأخلاقية الجديدة!! فلماذا لا تطهر معارضاتك وصفوفها وخطابها من العصبيات المذهبية والطائفية، ولا تعمل حقا على سلمية حركتك، حركة الأقلية المندسة، بين أغلبية الشعب السوري الثائر المعترض والرافض للسلاح، والرافض لحظيرة متخلّفة من المقاتلين العرب والأجانب "المتعرعرين" بين قاعدة وإخوان وسلفيين وأفغان وليبيين، وما أكثرهم يتناسلون بينكم على الأراضي السورية، وببركة منكم يفرخون بين صفوفكم كمسابقات ملكات الجمال في لبنان! ووعدي لك بعد ذلك أنك حتما ستقنعني، أو سأقنع نفسي بنفسي المتحررة، بمشروعك ومشروعيته، وسأصوت لسورياك الجديدة لأبد لا ينتهي! لقد مر ببالي الحزينة اليوم، أنه في ذات يوم أصيل قال المفكر أنطون سعاده: "إن العبد الذليل لا يمكنه أن يمثل أمة حرة لأنه يذلّها". يا سيد الأمس القريب، هذي ثوابتي السورية، وأهلا وسهلا بيننا بمعارضة تعرف نفسها وتحافظ على ذاتها وذات الوطن الذي نقدسه، معارضة ترفع رأس شعبها بين الأمم الحية الحرة الجميلة، هذه الأمة التي لا تسمي جمعتها العظيمة "جمعة الحماية والتدخل الدولي". بعد ذلك، سيصير لزاما علينا، بالعين المجردة، وعلى أتباع الوطن أجمع حراستها بأجفان العيون. وحتى ينبت ذلك الحشيش سأبقى على جنون الوطن أغني: تباً لحراس الحرية.

