السيد محمد حسن الأمين: الانتصار للمنهج العقلي يجدد الإسلام ويدخلنا في العصر

في الوقت الذي يحصر عدد من المشرعين مصدر التشريع بالقرآن والسنة ويهملون العقل، يغالي البعض الآخر في تقديم العقل على الوحي بينما يوازن الإسلام الوسطي بين العقل والنقل، وينفي وجود أي تعارض بينهما.

قبل الدخول في إشكالية النزاع بين النص والعقل يشير سماحة العلامة المفكر الاسلامي السيد محمد حسن الأمين إلى “أن مصادر التشريع الإسلامي أربعة: الوحي، والسنّة، والعقل، وأضاف بعضهم الإجماع، يعني إجماع الفقهاء”.

لذلك لا نقاش في أن العقل مصدر من مصادر التشريع، يقول السيد الأمين، ويضيف: “ولكن العقل هنا ليس مستقلاً عن النصوص والمبادئ الشرعية الثابتة ثبوتاً راسخاً سواء في القرآن الكريم أو في الحديث النبوي الشريف.

اقرأ أيضاً: السيد محمد حسن الأمين: الشيوعية سقطت بسبب عدائها للحرية والغائها للفرد

عندما نتحدث عن العقل لا نعني أكثر من “الاجتهاد”، والاجتهاد ضرورة في منطق الشريعة الإسلامية، فأن تجتهد، فمعنى ذلك أنك أعملت العقل إلى جانب النص، وبالأساس فإن مسألة الإيمان بالوحي هي مسألة عقلية، لذلك يتقدم العقل على كل الوسائل المتبعة في فهم الإسلام وشريعته، فإذا ورد في الشريعة حكم من الأحكام لا تستيغه بعض العقول فإنه ملزم لنا، كالحدود والديّات فإن تجاوزها أمر يتنافى مع النص الواضح، ولكن الشرع نفسه يمكن أن يوقف تطبيق بعض الأحكام إذا كان تطبيقها يسبب ضررا، فهذا ليس مخالفاً للشريعة المقيدة أساساً كقاعدة “الضرر” الذي يعفي المكلّف من بعض الأحكام، وذلك عندما تكون هناك مشقّة كالصّوم، إلا أن الشريعة تسمح للمرضى بالإفطار ولنأت إلى موضوع الحدود، فنتساءل ترى، هل إن تطبيق الحدود كقطع اليد مثلاً من الأمور التي لا يمكن تجاوزها؟ ونحن نعلم أن الحدود في الإسلام هي ردعية، وبالتالي إذا كان العرف يستنكر قطع اليد، أي تعطيل حد من الحدود لأسباب اجتماعية ومدنية، فإن بالإمكان تشريع عقوبة أخرى يكون لها الدور نفسه في التأديب والردع، ومن الملاحظ أن الجمهورية الإسلامية في إيران عطلت مثل هذا الحد آخذة في الاعتبار قيم العصر ومفاهيمه، وفي هذه النقطة نقول إنه لا بد من الاستناد إلى العقل في توقيف بعض الأحكام والحدود”.

ولكن لماذا استبعاد العقل في التشريع لدى بعض المذاهب؟ يجيب السيد الأمين “لقد تورّط بعض علماء الكلام في استبعاد العقل عن مجال التشريع، وهذا الاستبعاد يستند في رأينا إلى استبعاد دور العقل في مجالات الدين والحياة ، كتحريم البعض لما استُجدّ من آلات ومخترعات في عصرنا بحجة أنه لم يرد فيها نصّ، والحق يقضي أن العقل يحكم بإباحة الأعمال التي لم يرد فيها نص بالتحليل أو التحريم، وهذا ما سمّاه علماء الأصول بـ”أصالة الإباحة”، من هنا نعلم أن استبعاد العقل عن مجال الفهم للإسلام وشريعته، هو إساءة لهذا الدين ولضروراته وإمكانية استخراج الأحكام الشرعية منه لمصلحة المجتمع والأمة والفرد.”

في ما يخص القول بأن العقل، أو ما يسمى بالنزعة العقلية في مجال الأحكام والشرائع وعلم الكلام،قدساهم في شقّ المسلمين يوضح السيد الأمين ” أن هذا القول لا سند له إلا القول القاصر، والحق أن صراعاً دار بين متبني المنهج العقلي ومتبني المنهج الصوفي ولولا انتصار المنهج العقلي لما كان عندنا في علم الكلام وفي الفقه الإسلامي أي مجال للاجتهاد والتطور”.

يختم السيد الأمين بقوله ” الاعتماد على العقل لا يعني عدم الاختلاف، فالعقول مختلفة، ولكن هذا الاختلاف لا يجب أن يؤدي إلى التناقض وإلى تكفير الآخر، وستبقى طويلاً مشكلة العلاقة بين الشرع والعقل على الرغم من تراكم التراث الغني في تاريخ الإسلام حول موضوع احترام العقل.

اقرأ أيضاً: السيد محمد حسن الأمين: الديموقراطية تقتضي انبثاق وعي اسلامي جديد

لعل في الرجوع إلى الفقيه الفيلسوف “ابن رشد”، ما يدل على أن المنهج العقلي كان وما يزال حيّاً، ففي كتابه “فصل المقال ما بين الشريعة والحكمة من اتصال” يوضح تماماً كيف أن العقل لا يتناقض مع الشريعة، كما تولى ابن رشد الردّ في كتابه “تهافت التهافت” على الإمام الغزالي الذي ألغى الفلسفة، أي ألغى المنهج العقلي واعتمد على التصوف والإلهام، وما زالت آثار هذا الخلاف بين الغزالي وابن رشد وتداعياته قائمة في الفكر الإسلامي المعاصر.

يفترض بنا أن ننتصر للمنهج العقلي في فهم الشريعة وفي تطبيقها وفي مقولات علم الكلام، كما يجب أن نستند إليه في كل مجالات المعرفة بكل ألوانها وأبعادها، لأن هذا المنهج هو الذي يستطيع أن يجدّد الإسلام كي لا يبقى المسلمون متخلّفين عن ركب العصر.

آخر تحديث: 5 نوفمبر، 2018 1:35 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>