«الدين أفيون الشعوب».. في نسخته اللبنانية!

لم يقل كارل ماركس جملته الشهيرة: “الدين أفيون الشعوب”، في نقده لفلسفة الحق عند هيغل، للنَيل من الدين نفسه، وإنما لمقاربة توظيفه من خلال التأسيس لعملية استلاب، ترمي إلى نشر الوهم الذي ينال من وعي الفرد ويعميه، من خلال ما يطلقه من هذيان يحجب عنه رؤية واقعه المعاش والمأزوم.

من هذا المنطلق، يمكن القول أن هذه الاستلابية تحاكي عملية الإدمان على المواد النفسية، التي قد تودي بالفرد إلى تصفية نفسه عبر جرعة زائدة نشوةً أو يأساً.

أشار كارل ماركس إلى الدين باعتباره مخدّراً يتم استغلاله بغية تخدير الجماهير ومنعها من رؤية الحقيقة المأساوية لواقعها المأزوم


لسنا هنا في صدد التسويق لفلسفة ماركس، إلا أن ما نختبره في واقعنا المعاش العربي عموماً، سيّما اللبناني، يفرض استعادة الاستشهاد بجملته الشهيرة، في محاولةٍ لعرض أحد المحدّدات الرئيسيّة، التي تقف وراء استفحال الأزمات التي تلقي بثقلها على المواطن اللبناني، وأيضاً لإزالة الأحكام الخاطئة التي أطلقَت حولها، أي حول هذه الجملة.

أشار كارل ماركس إلى الدين، باعتباره مخدّراً يتم استغلاله بغية تخدير الجماهير، ومنعها من رؤية الحقيقة المأساوية لواقعها المأزوم و ظروفها الاقتصادية و الاجتماعية الكدرة. كما رأى أن الطبقة المسيطرة عمدت إلى استخدام الدين، في سبيل تبرير وجود نظام اجتماعي و تشريع الاستغلال الاقتصادي بما يصبّ في مصلحتها. و لا يخفى من أن السلطة السياسية في لبنان، تشكّل نموذجاً مثالياً “يُحتذى به” عمّا طرحه كارل ماركس!… إذ تعمد إلى توظيف الدين عبر هويتها الطائفية، للإطباق على وعي اللبناني، للحفاظ على استمرايتها و النيل من المواطنة والوطنية.

يُسقط الدين، و دائماً بحسب كارل ماركس، الفرد في وهم السعادة. و يعود السبب، برأيه، إلى أن المعتقدات الدينية تؤدي دورها في إقصاء الفرد، إن جاز التعبير، عن إدراكه لواقعه الذي يدفعه إلى الشعور بالأسى، و ذلك من خلال الهائه عن قضاياه المحقّة. و هو لا يرى التحرّر الصحيح للجماهير من الاستلاب و تفلّتها من هذا الوهم، إلا من خلال استعادة الوعي “المسلوب” وطرح التساؤل وعلامات الاستفهام حول البنى الاقتصادية و الاجتماعية.

يُسقط الدين و دائماً بحسب كارل ماركس الفرد في وهم السعادة

إذا ما أردنا القيام بمقاربة أكثر عمقاً، لما قصده كارل ماركس حول وهم السعادة، الذي يطلقه الدين من خلال توظيفه في الاستلاب، لوجدنا أن هذا الوهم يجد جذوره، في أن الدين كفيل لوحده في حلّ جميع الأزمات. بتعبير آخر، “يرحّل” الفرد وعيّه إلى مكان مريح لقضاء “عطلة” من التفكير، و يزيح بذلك عن كاهله، العمل المضني لحلّ أزماته، تاركاً المهمة إلى من ينوب في التفكير عنه، من رجال دين_سياسيين أجازوا لأنفسهم التكلّم باسم الله!….

ولا تتوقف خطورة “الاستراحة” من التفكير العقلاني، عند الشعور بالسعادة الوهمية، التي تنجم عن التعلّق الأعمى بالمعتقدات الدينية، نتيحة التفسيرات الخاطئة والحاصلة عن سابق تصور و تصميم، والتي أسلفنا على تناولها، بل تتخطاها إلى مظاهر أكثر مأساوية، وتتجلى في المواقف التي يتخذها الفرد إزاء نفسه أيضاً. و يتبدى قتل النفس أو الانتحار، السلوك الأكثر فظاعة نتيجة لهذا للسعادة الوهمية. بتنا نسمع و نقرأ عن حالات انتحار تجري باسم الدين، مهدّدةً ليس فقط المجتمع و إنما أيضاً الدين نفسه.

تتجلى خطورة ما يجري من خلال توظيف الدين لخدمة عملية استلاب منظمة في أنه بات يتم استغلاله في تشكيل رؤية أو نظرة “غريبة عجيبة” إلى العالم

يعدّ الانتحار، أوقتل النفس باسم الدين، موضوعاً في غاية التعقيد . كما يطرح اشكالية حول ما إذا كان حصوله، يتمثل في ارضاء الذات نفسها، والشعور بالاكتفاء الكامل بالقوة، أو تمجيد القضية التي يجري تسويقها. ولا يخفى من أن الأديان حاربت و مازالت، مسألة قتل النفس لأن حياة الفرد هي ملك الله فقط.
تتجلى خطورة ما يجري من خلال توظيف الدين، لخدمة عملية استلاب منظمة، في أنه بات يتم استغلاله، في تشكيل رؤية أو نظرة “غريبة عجيبة” إلى العالم، تحوي تمثلات شكّلتها تفسيرات خاطئة أو نصوص مفبركة، بما يتناسب مع مصالح أربابها الذين عمدوا إلى تشريعها وتسويقها!…

ولعلّ ما نسمعه من أخبار حول جماعات تحمل اسماء لها طابع قدسيّ، كجماعة القربان التي تمّ استيرادها من خارج حدود ثقافة المجتمع اللبناني، يشكل دليلاً على أن الدين نفسه في خطر وليس فقط المجتمع!…

شوّهت طائفية النظام السياسي عبر أربابها الهوية الوطنية وسلخت اللبناني عن انتمائه الوطني و المواطني معاً وأطلقت لديه وهم السعادة عبر مفاهيم “باهتة”

خلاصة، شوّهت طائفية النظام السياسي، عبر أربابها، الهوية الوطنية، وسلخت اللبناني عن انتمائه الوطني و المواطني معاً، و أطلقت لديه وهم السعادة عبر مفاهيم “باهتة و شاحبة”، كالانتصار والسيادة والممانعة و التغيير والإصلاح… فأضحى يرزح في لاوعيه تحت وطأة الاحباط و اليأس و الكسل و الدونية…
أما آن الأوان للاتعاظ ممّا قصده كارل ماركس في مقولته (الدين افيون الشعوب).. أما آن الأوان ليترك أرباب السلطة السياسية الدين وشأنه بسلام، و ليكفوا عن إقحامه في كلّ شاردة وواردة؟!

السابق
عندما يتجدد الحلم من رحم.. «جنين»!
التالي
أشهر مهندسي تفجيرات «الضاحية» ينهي «مسيرته» أمام «العسكرية».. والى المجلس العدلي درّ!