اختار زعيم «الحزب التقدمي الاشتراكي» وليد جنبلاط طبقاً من «سمك القرش» في غداء خلال سياحته السياسية في جدة، التي عاد اليها بعد اكثر من عام من الجفاء بسبب سيره في الركب السوري – الايراني يوم وُضع «الموس في رأسه»، حسب ما اعلنه مراراً في تبريره لفض العلاقة مع حلفائه في «14 آذار» وفك اشتباكه مع «حزب الله»، الامر الذي وفر «النصاب السياسي – الدستوري» لاقصاء رئيس الحكومة السابق سعد الحريري عن السلطة.
واحتارت الدوائر المراقبة في بيروت في تفسير رمزية «سمك القرش»، الذي لم ير جنبلاط ضيراً في تناوله في أحد «غدوات» جدة.
البعض قال انه ربما يعكس الامر اعجاباً من الزعيم الدرزي بسمكة القرش «الدائمة الحركة كي لا تغرق، فهذا المخلوق المهيب يستطيع تقويم فريسته بدقة متناهية ومن اول عضة، لا ينام ولا يتوقف عن الحركة ويبدل اسنانه على الدوام».
البعض الآخر رأى ان جنبلاط، الذي رفع الصوت وفي وقت مبكر داعياً الى اسقاط النظام في سورية، ربما اراد الايحاء بان «القرش المفترس» صار طبقاً على الطاولة، بعدما انقرض بعضه وبعضه الآخر صار «وليمة» لتحولات لا محالة منها.
ولم يكن «القرش» وحده المفارقة التي ميّزت «الاخراج الجنبلاطي» للزيارة التي التقى خلالها، صديقه منذ 26 عاماً، وزير الخارجية السعودي الامير سعود الفيصل، فـ «سيد المختارة» حرص على اظهار «الطابع الخاص» لا الرسمي ولا السياسي لتلك
الزيارة وهي الاولى للمملكة بعد الاطاحة بحكومة الحريري في يناير 2011.
اوساط واسعة النطاق في بيروت قالت لـ «الراي» ان بيان الحزب التقدمي الاشتراكي عن زيارة رئيسه للسعودية صيغ بـ «عناية لافتة» بقصد تطمين «حزب الله» الى بقاء جنبلاط في موقعه الحالي، خصوصاً بعدما بدت قوى «8 آذار» متوجسة من
تحول ما في موقف الزعيم الدرزي من شأنه قلب الطاولة من جديد.
ورغم ان مسؤولي «الاشتراكي» لم يشاؤوا اضافة سطر واحد على ما جاء في بيان الزيارة، فان اوساطاً مهتمة عكست ارتياح جنبلاط لـ «كسر الصمت» مع السعودية في الزيارة التي يعتقد انها تؤسس لمرحلة جديدة ستظهر نتائجها تباعاً في الاداء السياسي للزعيم الدرزي وعلى نحو هادئ.
واللافت ان استحقاقات داخلية كالانتخابات في الـ 2013 تجعل جنبلاط في شبه «حلف موضوعي» مع حلفاء الامس في «14 آذار»، لا سيما الحريري، ولعل موقفهما الرافض لاعتماد النسبية في الانتخابات جعلهما في «جبهة واحدة»، اضافة الى تماهي موقفهما حيال الازمة اللاهبة في سورية.
ولم يكن مفاجئاً تصدر صحيفة «الاخبار» القريبة من «8 آذار» امس، عنوان رئيسي يقول «جنبلاط خارج الاكثرية»، في اشارة الى خلاصة اللقاء الليلي الذي ضم الى جنبلاط معاوني رئيس البرلمان نبيه بري النائب علي حسن خليل، والامين العام لـ «حزب الله» حسين خليل.
زيارة الخليلين لجنبلاط بدت وكأنها استطلاع بـ «النسبية» لموقف زعيم «الاشتراكي» من مجمل الوضع السياسي في البلاد. فـ «حزب الله» وحركة «أمل» يريدان اعتماد النسبية في قانون الانتخاب لضمان فوزهما بـ «الاكثرية» في استحقاق الـ 2013، الامر الذي يرفضه جنبلاط بشدة.
وكشفت اوساط واسعة الاطلاع لـ «الراي» ان «8 آذار» تواجه خيارات صعبة في ضوء استطلاعات بينت عن عجزها عن الفوز بالأكثرية في انتخابات تجرى وفق تقسيمات القانون الحالي المعروف بـ «قانون 1960»، ما يعزز الانطباع بأن الانتخابات المقبلة لن تجرى في موعدها.
وكان جنبلاط قال على هامش اللقاء مع الخليلين لمحطة «المنار» الناطقة بلسان «حزب الله»، ان «الهدف من اعتماد النسبية في النظام الانتخابي هو لإلغائي»، مشيراً إلى أنه لا يريد النسبية بأي شكل من الأشكال.
وتطرق جنبلاط إلى الأحداث السورية، معتبراً «أن خطة المبعوث الأممي إلى سورية كوفي أنان انتهت والحل فقط بسقوط الرئيس السوري بشار الاسد».
وعن مناقشته مع الخليلين، قال «ان التواصل مفيد حتى لو كانت هناك وجهات نظر متباينة»، مشيراً إلى أننا «نحن متفقون على الأساسيات وإن كنا مختلفين على بعض التفاصيل في وجهات النظر»، مؤكداً أن «لا شيء يدعو إلى تأجيل الانتخابات النيابية المقررة في العام 2013»، مشيراً إلى أنها «ستحصل بوقتها».
غير ان صحيفة «الأخبار» عكست خلاصات لافتة عن اللقاء حين اشارت الى ان نتيجته اتت سلبية، لتثبت البرودة القائمة إن لم تكن قد فتحت العلاقة على المزيد من السوء. كان الخليلان يريدان من زيارتهما بحث ملف قانون الانتخابات بالدرجة الاولى. قدم الوزير علي حسن خليل، حسب مصادر اللقاء، مطالعة تحدّث فيها عن المواقف المعلنة لكل من الطرفين إزاء هذا الملف، مشدداً على أن الهدف من طرحه ليس إقصاء أحد، ولا تحجيم احد، فرد «أبو تيمور» (جنبلاط) بشرح مقتضب جداً عن وضع الطائفة الدرزية ودورها، جازماً بأنه ضد النسبية. واوحى في شكل لا يقبل اللبس بأن هذا الامر غير قابل للنقاش بالنسبة إليه، من دون ان يشرح أسبابه. أقفل باب البحث على هذا الملف، فانتقل جنبلاط إلى «الحديث العام» عن سلاح المقاومة والحوار، مكرراً موقفه العلني منهما، ومشدداً على ضرورة العودة إلى طاولة الحوار.
بعد هذه «الخلاصة» ردّ رئيس «الاشتراكي» على ما ورد في «الأخبار»، موضحاً: «أول، كان اللقاء مفيداً مع الاشارة الى انه تناول قضايا عدة كسبل تفعيل العمل الحكومي والإسراع في التعيينات الإدارية والعودة الى الحوار للتوصل الى تفاهم حول خطة دفاعية تؤدي الى الاستيعاب التدريجي للسلاح في الدولة في الوقت المناسب (…). ثانياً، رغم ضبابية عبارة (الثلاثي الدرزي) التي وردت في المقال، إلا أن العلاقة وطيدة وعميقة مع الامير طلال ارسلان رغم التفاوت في قراءة الأزمة السورية كما هي الحال مع حزب الله. أما فيما يخص وئام وهاب فسجلنا استغرابنا لما نسب اليه من كلام له يقول فيه إما النسبية أو الحرب الأهلية وهو مرفوض في كل الأحوال. ثالثاً، شملت زيارة جدة، فيما شملت، جولة سياحية تخللها غذاء كان أحد أطباقه سمك القرش وأنواع أخرى من الثروة السمكية التي يتميز بها البحر الأحمر، فما الضير في ذلك»؟
وهكذا فإن جنبلاط الذي لن يسلِّم بـ «إلغائه» يحرص على ترسيم حدود خلافه مع «حزب الله» عبر «تأكيد المؤكد» في المسائل المتفق عليها والإتفاق على الاختلاف في المسائل الاخرى غير المتفق عليها.

