حازم صاغية يفكك «العدمية السياسية» لطهران.. كيف تحوّلت الـ «لا» إلى مشروع حكم وإدارة صراع؟

حازم صاغية

في هذا المقال، يقدّم الكاتب والصحافي حازم صاغية، في صحيفة الشرق الأوسط، قراءة فكرية وسياسية لطبيعة النظام الإيراني، منطلقاً من مفهوم “العدمية” بوصفه مفتاحاً لفهم سلوك طهران داخلياً وخارجياً. لا يتناول النص السياسة الإيرانية من زاوية المصالح التقليدية فحسب، بل يحاول تفسيرها باعتبارها ممارسة تقوم على نفي القواعد والمؤسسات القائمة قبل تقديم أي بديل متماسك.

من احتلال السفارة إلى تأسيس نهج سياسي

يرى الكاتب أن الاستيلاء على السفارة الأميركية في طهران عام 1979 لم يكن مجرد حادثة مرتبطة بأجواء الثورة، بل شكّل فعلاً تأسيسياً للنظام الجديد وللطريقة التي سيتعامل بها مع العالم.

فحين استولى شبّان «خطّ الإمام»، بُعيد انتصار ثورتهم، على السفارة الأميركيّة بطهران، فات الكثيرين أنّ الاستيلاء عمل تأسيسيّ لنظام ولطريقة حياة.

فهو أنكر مبدأ العلاقات الدبلوماسيّة وانتهك القانون. والإنكار يندرج في مدرسة تُعرف بالعدميّة، ومصدرُها العدم، فيما مُعادلها الأجنبيّ Nihilism مُشتقّ من Nihil اللاتينيّة، وتعني «اللاشيء».

العدمية… فلسفة تقوم على النفي لا على البديل

في هذا الجزء يشرح صاغية الخلفية الفكرية للمفهوم، موضحاً أن العدمية تختلف عن المدارس الثورية الأخرى لأنها لا تطرح مشروعاً بديلاً بقدر ما تركز على إسقاط القائم.

فالعدميّة تنكر الشرعيّة والمعنى الأخلاقيّ عن الترتيبات السياسيّة والمؤسّسيّة القائمة، مشكّكةً بصحّة مصادرها ومستسهلةً إطاحتها.

وبهذا تخالف العدميّة اتّجاهات راديكاليّة أخرى تقترح بدائل لوضع مرفوض، أكانت يساريّة كالماركسيّة والفوضويّة أم يمينيّة كالفاشيّة. فالمهمّ أن يقال: لا، وأن يُعمل بموجب هذه الـ«لا»، وفقط بعد ذاك نرى. وما دام العالم يضمّ أشياء غير جديرة بالحفاظ عليها، باتت شهيّة العنف الذي «يطهّره» كبيرة وواسعة.

يشرح صاغية الخلفية الفكرية للمفهوم، موضحاً أن العدمية تختلف عن المدارس الثورية الأخرى لأنها لا تطرح مشروعاً بديلاً بقدر ما تركز على إسقاط القائم.

حين تصبح العدمية في السلطة

ينتقل الكاتب إلى المفارقة التي تواجه أي مشروع عدمي عندما يتحول إلى سلطة حاكمة، إذ يصبح مضطراً لإدارة دولة والتعامل مع الوقائع.

بيد أنّ من الصعب على العدميّ، حين يستحوذ على سلطة، كما الحال في إيران، أن يمارس عدميّته إطلاقيّاً. فهو يغدو مسؤولاً، يملك شيئاً ملموساً عليه أن يتعامل معه ويدبّره.

ولأنّه لم يعد يتمتّع بترف النظر إلى العالم المحيط كمجرّد عدم أو صفر، أضحى مضطرّاً، بين حين وآخر، إلى الأخذ بالقاعدة الفقهيّة القائلة إن «الضرورات تبيح المحظورات».

غير أنّ الانتقائيّة العدميّة، بحسب الكاتب، تتجاوز البراغماتيّة إلى الانتهازيّة، لأنّها لا تنطلق من مراجعة فكرية بل من اضطرار فرضته الوقائع. ومن هذا المنظار يمكن فهم محطات مثل فضيحة «إيران غيت» وصفقات أخرى عُقدت مع ما كانت طهران تصفه بـ«الشياطين».

سياسة التصلب… توسيع دائرة الخصوم

ويعتبر صاغية أن السلوك الإيراني في المرحلة الأخيرة يقدم مثالاً واضحاً على هذا المنحى.

فطهران، بحسب النص، لم تعبأ بكون «مذكّرة التفاهم» مع واشنطن تصب في مصلحتها، ولم تتوقف عند خسارة أوراقها في لبنان والعراق، كما لم تستثمر في مبادرات المساعدة الخليجية أو في التناقضات داخل الغرب.

وعلى الرغم من اختلاف هذه التطورات، جاءت الاستجابة واحدة: مزيد من التصلب، بما يؤدي إلى توسيع رقعة الأعداء وتقليص مساحة الأصدقاء.

الدولة من منظور الميليشيا

يرى الكاتب أن العدمية لا تقتصر على إدارة العلاقات الدولية، بل تمتد إلى مفهوم الدولة ذاته.

فحين تنظر طهران إلى لبنان أو العراق أو اليمن، فإنها، بحسب المقال، تنظر إليها من خلال الميليشيات التي أسهمت في بنائها ودعمها، بحيث تصبح الدولة امتداداً للميليشيا أو شريكاً لها، كما كان الحال في سوريا خلال عهد النظام السابق.

أما دول الخليج، فيرى الكاتب أن السياسة الإيرانية تختزلها في وظائف استراتيجية، قابلة للضغط أو الردع أو التهديد، بما يؤدي إلى إضعاف مفهوم السيادة الوطنية وتحويلها إلى سيادة منقوصة أو متنازع عليها.

رفض منطق حسن الجوار

ينتقل المقال إلى مفهوم حسن الجوار، موضحاً أنه ليس شعاراً سياسياً بل مبدأ راسخ في القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.

فهذا المبدأ يقوم على الامتناع عن التهديد بالقوة، وتسوية النزاعات سلمياً، والتعاون بين الدول.

أما السلوك العدمي، وفق الكاتب، فيستبدل هذه القواعد بمنطق الإكراه والإلحاق، بما يؤدي إلى تهميش السياسة والدبلوماسية والقانون.

حين تنظر طهران إلى لبنان أو العراق أو اليمن، فإنها، بحسب المقال، تنظر إليها من خلال الميليشيات التي أسهمت في بنائها ودعمها، بحيث تصبح الدولة امتداداً للميليشيا أو شريكاً لها،

منطق مناطق النفوذ لا منطق الشراكة

ويعيد الكاتب جذور هذا السلوك إلى رؤية يعتبرها ذات طابع استعماري، ترى أن الأمن الإقليمي يتحقق عبر موازين القوى ومناطق النفوذ، أو عبر الاختراق الميليشيوي، وليس من خلال التعاون وتبادل المصالح والثقة.

الاقتصاد والممرات البحرية… امتداد للرؤية نفسها

ولا يقتصر الأمر، بحسب المقال، على السياسة، بل ينسحب أيضاً على الاقتصاد.

ويضرب الكاتب مثالاً بمضيق هرمز، وكذلك باب المندب عبر الحوثيين، معتبراً أن تعطيل الملاحة الدولية لا يضر دول المنطقة وحدها، بل ينعكس على الاقتصاد العالمي بأسره.

كما يلفت إلى أن إيران وقعت اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، لكنها لم تصادق عليها، مع إبدائها تحفظات على عدد من بنودها.

العودة إلى الماضي… واستعادة أدوات قديمة

يرى صاغية أن العدمية تستمد جزءاً من قوتها من استدعاء الماضي باعتباره بديلاً عن العالم الحديث.

ومن هنا يربط بين اللجوء إلى وسائل مثل القرصنة وبين استحضار نماذج تاريخية تعود إلى القرن السادس عشر، حين استخدمت دول وقوى مختلفة القرصنة لتحقيق أهداف سياسية واقتصادية.

ويعتبر أن خطف الرهائن الأجانب في بيروت خلال ثمانينات القرن الماضي، في إطار التعاون الإيراني – السوري وتنفيذ «حزب الله»، يمثل في العصر الحديث امتداداً لهذا المنطق، بهدف تحقيق مكاسب سياسية.

لأمن الإقليمي يتحقق عبر موازين القوى ومناطق النفوذ، أو عبر الاختراق الميليشيوي، وليس من خلال التعاون وتبادل المصالح والثقة.

الحداثة… ساحة المواجهة الأوسع

ويخلص الكاتب إلى أن العدمية بلغت ذروتها في المجال الثقافي والقيمي أكثر مما بلغته في السياسة والاقتصاد.

فهي، بحسب رأيه، تتعامل مع الحداثة باعتبارها منظومة ينبغي رفضها، وتغلق الباب أمام أي تطوير لأنظمة الاعتقاد أو مراجعة فكرية عميقة.

الخلاصة

يختتم حازم صاغية مقاله بالتأكيد أن تفسير مجمل هذه السياسات بمجرد القول إن إيران “تقاتل إسرائيل وأميركا” يبقى، في نظره، تفسيراً قاصراً لا يفسر طبيعة المشروع السياسي نفسه، سواء صح هذا الوصف أم لم يصح. ويرى أن فهم السلوك الإيراني يقتضي النظر إليه من زاوية فلسفة سياسية تقوم، قبل أي شيء، على نفي النظام الدولي والمؤسسات والقواعد التي تنظّم العلاقات بين الدول، وهي الفكرة التي يختصرها بمفهوم “العدمية السياسية”.

السابق
بيان موحد لـ «سجناء لبنان»: قضية العفو العام ضرورة إنسانية فوق الاصطفافات السياسية وتشرذم المواقف يهدد بضياع الفرصة التاريخية
التالي
الصحف الإيرانية: «مجتبى خامنئي» يتمسك بالردع بوجه واشنطن وموجة تخوين لـ «دعاة التهدئة» وسط أزمة كهرباء خانقة