قبل أثنين وعشرين عاما وتحديدا في أوائل كانون الأول عام 2004 ، تحدث الملك الأردني عبد الله الثاني بن الحسين عن “الهلال الشيعي”، فكان اول من استخدم هذا التعبير ليصف تمدد نفوذ الجمهورية الإيرانية في المنطقة العربية.
ومرّ اكثر من عقديّن كي يتبيّن ان هذا “الهلال” اصبح في مرحلة الافول الأخير. وصار من الماضي تماما الحديث عن سيطرة طهران على اربع عواصم عربية ، كما فعل القائد السابق ل”فيلق القدس” في الحرس الثوري الإيراني الجنرال قاسم سليماني قبل أعوام طويلة . ونعيد التذكير بان هذه العواصم الأربع التي تباهى سليماني ذات يوم بسيطرة طهران عليها هي :بيروت ، دمشق، بغداد وصنعاء.
في موازاة بزوع هلال عربي قائم على المنافع الاقتصادية ، ما زال هناك من بقايا الهلال الفارسي يعيد التذكير بالحرب التي لا تنتهي. ويمثل قائد حركة أنصار الله عبد الملك الحوثي آخر نماذج هذا الهلال الافل
صار لزاما من الان فصاعدا استبدال عبارة “الهلال الشيعي” بعبارة “الهلال الفارسي”. ويعود السبب الى هذا الاستبدال، كما ستوضح التفاصيل ، ان الغلاف الشيعي الذي أراده حكام ايران منذ العام 1979 ولا سيما في حقبة مؤسس الجمهورية الإسلامية الامام الخميني وخلفه خامنئي ، ما كان سوى ذريعة لتبرير بسط سيطرة الدولة الفارسية على هذه الأقطار العربية.
وتبيّن اليوم بعد مرور اكثر من عقديّن، ان غلاف السيطرة هو فارسي بكل ما في الكلمة من معنى. وها هو البلد العربي الوحيد الذي تحكمه غالبية شيعية ، أي العراق، يتصرف على أساس انه بلد عربي قبل ان يشار الى انه موطن اغلبية شيعية. أما لبنان، حيث بذل النظام الإيراني كل ما اؤتي ليكون قاعدة نفوذ طهران على شاطئ المتوسط ، فقد أظهرت الاحداث المتلاحقة ان شيعة لبنان يقدمون انتمائهم العربي على محاولة وصفهم بانهم تابعون لإيران ، باستثناء من هم ينتمون الى “حزب الله” والذين هم بحسب جداول الرواتب والمساعدات الدائمة التي يوفرها الحزب بالكاد يبلغون ربع تعداد هذه الطائفة.
صار لزاما من الان فصاعدا استبدال عبارة “الهلال الشيعي” بعبارة “الهلال الفارسي”. ويعود السبب الى هذا الاستبدال، ان الغلاف الشيعي الذي أراده حكام ايران منذ العام 1979 ولا سيما في حقبة مؤسس الجمهورية الإسلامية الامام الخميني وخلفه خامنئي ، ما كان سوى ذريعة لتبرير بسط سيطرة الدولة الفارسية على هذه الأقطار العربية
أتت الحرب الأخيرة التي شنتها الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل على ايران في 28 شباط الماضي لتعطي البرهان على ان واقعا عربيا جديدا قد ولد في قلب المساحة الجغرافية التي تحدث فيها العاهل الأردني ووصفها بانها موطن “الهلال الشيعي”. وقد اماط اللثام عن هذا الواقع تحقيق نشرته النيويورك تايمز في بداية الأسبوع الجاري وحمل عنوان “البحث عن طرق لتجاوز المضيق المغلق يؤدي إلى سوريا” ، مضيفا ان ” الحرب الأخيرة في الشرق الأوسط خلقت فرصا اقتصادية جديدة لسوريا بفضل جغرافيتها”.
وجاء في التحقيق الذي أعدته رجاء عبد الرحیم من دمشق :”عندما قطعت الحرب التي اجتاحت الشرق الأوسط في الأشهر الأخيرة الوصول إلى أحد أهم طرق الشحن في العالم، رأت سوريا فرصة. مع وجود عدة موانئ في البحر الأبيض المتوسط وحدود مع تركيا والعراق والأردن ولبنان، تقدم البلاد بديلا في أمس الحاجة إليه لمضيق هرمز المغلق، وهو ممر مائي استراتيجي كان يستخدم قبل الحرب لنقل جزء كبير من إمدادات النفط العالمية.”
أتت الحرب الأخيرة التي شنتها الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل على ايران في 28 شباط الماضي لتعطي البرهان على ان واقعا عربيا جديدا قد ولد في قلب المساحة الجغرافية التي تحدث فيها العاهل الأردني ووصفها بانها موطن “الهلال الشيعي”
أضاف التقرير: “بدأت بالفعل دول العراق والخليج، بما في ذلك الإمارات العربية المتحدة، في نقل النفط والبضائع الأخرى بريا لشحنها من سوريا. وقال مازن علوش، مدير العلاقات المحلية والدولية في هيئة الحدود والجمارك السورية: “بعد إغلاق مضيق هرمز، طرقت تقريبا جميع الدول المجاورة في المنطقة أبوابنا للحصول على موانئنا السورية. إنهم يصنعون خطة بديلة في حال استمرت الأزمة”.
ويتابع تقرير الصحيفة الأميركية:” يقول حازم الصباحي، مدير العلاقات العامة في الهيئة العامة السورية للمناطق الحرة: “لسوريا تاريخ طويل كحلقة وصل في التجارة العالمية. كانت سوريا طريق الحرير القديم، فكان طريقا تجاريا مهما .وفي أواخر الستينيات، سعى الاتحاد السوفياتي إلى تحالف مع نظام الأسد جزئيا لضمان استخدام موانئ سوريا في البحر الأبيض المتوسط. وكانت سوريا تحت حكم الأسد جسرا بريا استخدمته إيران لنقل الأموال والأسلحة إلى أهم حلفائها الإقليميين، “حزب الله”، في لبنان. انتهى ذلك عندما أطاح المتمردون بالأسد وتجنبوا حليفه المقرب إيران”.
وفي هذا السياق، أبلغ صفوان أحمد، مدير العلاقات العامة في شركة النفط السورية النيويورك تايمز: “طلبت شركة النفط العراقية المملوكة للدولة (المنظمة الوطنية لتسويق النفط)، من سوريا إذا كان بإمكانها نقل النفط البري للشحن من ميناء بانياس السوري على البحر الأبيض المتوسط. بالنسبة لسوريا، كانت فرصة اقتصادية ضرورية للغاية. تفرض الدولة رسوم عبور ورسوم مناولة في موانئها. وعلى المدى الطويل، يأمل القادة السوريون في إقناع الدول والشركات بأنه للاستفادة الكاملة من أصول سوريا، يجب عليهم الاستثمار في إعادة تأهيل وإعادة بناء البنية التحتية لديها.
في أواخر آذار الماضي ، أرسل العراق أولى شحنات النفط في سلسلة من الشحنات. في بعض الأيام، تعبر أكثر من 400 شاحنة صهريج الحدود، كل منها يحمل ما يصل إلى 10,500 جالون من النفط الخام. وأحيانا يكون ذلك أقل بكثير لأن خزانات التخزين في ميناء بانياس محدودة السعة، وفقا للسيد أحمد من شركة النفط السورية ومسؤول في وزارة النفط العراقية. كما أعربت عدة شركات أجنبية عن اهتمامها بالمساعدة في إحياء خط أنابيب نفط كان يربط بانياس بكركوك في شمال العراق. وقال السيد أحمد ان الخط “تضرر خلال الحرب الأهلية السورية . لكن حتى لو أعيد فتح هرمز، يجب على الدول أن تجد بديلا للمضيق”، بينما يستعد العالم لتداعيات الحرب الدائمة.
في اجتماع عقد في قبرص الشهر الماضي، أخبر الرئيس أحمد الشرع قادة الاتحاد الأوروبي وشركائه الإقليميين أن بلاده في موقع لتصبح ممرا آمنا واستراتيجيا يربط آسيا الوسطى والخليج العربي بأوروبا. وسعت حكومة الشرع إلى إحياء مشاريع البنية التحتية والاقتصادية التي تضررت أو توقفت بسبب الحرب الأهلية – مثل خط أنابيب الغاز العربي، الذي كان يهدف إلى نقل الغاز الطبيعي من مصر إلى لبنان عبر الأردن وسوريا.
في موازاة بزوع هلال عربي قائم على المنافع الاقتصادية ، ما زال هناك من بقايا الهلال الفارسي يعيد التذكير بالحرب التي لا تنتهي. ويمثل قائد حركة أنصار الله عبد الملك الحوثي آخر نماذج هذا الهلال الافل . وقد نقلت عنه وكالة “مهر” الإيرانية للانباء قوله أن هناك “مؤشرات على التحضير الأميركي لتصعيد جديد” في المنطقة بعد فشل الجولة السابقة، معتبراً أن بعض الأنظمة العربية “تخدم الموقف الأميركي والإسرائيلي سياسياً وإعلامياً واستخباراتياً”.
خلاصة ما انتهت اليه حتى الان الحرب الدائرة حاليا من الخليج الى لبنان ، ان عالما جديدا بدأ يشق طريقه على انقاض عالم يندثر. انه عالم هلال عربي يعود الى الحياة بعدما سدت امامه الطرق بهلال فارسي. لكن، لن يطول الوقت حتى يتملس اللبنانيون عموما والشيعة خصوصا، ولادة الهلال الجديد الذي يكبر يوما بعد يوم في هذا الشرق
وفي الشأن اللبناني، أكد الحوثي أن “حزب الله يواجه العدوان الإسرائيلي على لبنان بفاعلية عالية وينكل بالعدو الإسرائيلي”، وانتقد “البعض في السلطة اللبنانية ومن لديهم اتجاهات منحرفة”، قائلاً إنهم “يتجهون باللوم وتحميل المسؤولية ضد حزب الله ويحاولون أن يطعنوه في الظهر”، مضيفاً أن “السلطة في لبنان تريد أن يكون حزب الله مكبلاً وأن تبقى يد العدو مطلقة بالاعتداءات”.
وفي الملف السوري، قال الحوثي إن “الجماعات المسيطرة على سوريا تسعى فعلياً إلى وئام وسلام مع العدو الإسرائيلي ولكن دون جدوى”، معتبرا أن الاحتلال “لم ينسحب من المناطق التي احتلها في سوريا ولم يتوقف عن انتهاكاته اليومية”.
وكما الحوثي هو من بقايا هلال فارسي يوشك على الزوال، كذلك هو حال النائب محمد رعد رئيس كتلة “حزب الله” البرلمانية. فشنّ الأخير بدوره امس حملة شعواء على “جولات التفاوض المباشر بين لبنان والعدو”. وقال :”من هنا، ليس أمام السلطة من خيار لكسب الرضا الأميركي والودّ الأوروبي والانهزام الإقليمي، سوى بمدّ اليد إلى العدو لمصافحته وفتح باب التفاوض المباشر معه لإنهاء المقاومة لحساب الاحتلال، وتأجيل موضوع وقف إطلاق النار والانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية المحتلة إلى حين إنجاز المهمة “.
خلاصة ما انتهت اليه حتى الان الحرب الدائرة حاليا من الخليج الى لبنان ، ان عالما جديدا بدأ يشق طريقه على انقاض عالم يندثر. انه عالم هلال عربي يعود الى الحياة بعدما سدت امامه الطرق بهلال فارسي. لكن، لن يطول الوقت حتى يتملس اللبنانيون عموما والشيعة خصوصا، ولادة الهلال الجديد الذي يكبر يوما بعد يوم في هذا الشرق.

