الهجوم الايراني الصاروخي الاخير على القاعدتيّن العسكريتيّن الاميركيتيّن في العراق، حقق ضالو الجانبيّن:فطهران إعتبرته درسا ،وواشنطن ،كما قال الرئيس دونالد ترامب ، إختصره بعبارة “كل شيء على ما يرام”!فهل إنتهت المشكلة عند هذا الحد؟
حجم التهديدات المتبادلة التي تصاعدت من إيران والولايات المتحدة الاميركية بعد مقتل قائد “فيلق القدس” في الحرس الثوري الايراني الجنرال قاسم سليماني ، لم يترك سرّا حول مسار المواجهة بين الجانبيّن.ومع ذلك ،تحدثت مصادر ديبلوماسية عن معطيات تكشف إبعاد ما ستنتهي اليها هذه المواجهة إذا ما وقعت فعلا .فما هي هذه المعطيات؟
تقول هذه المصادر في إتصالات جرت بعيدة عن الاضواء مع مسؤولين لبنانيين ، وفق ما علمت “النهار” ،ان واشنطن أبلغت عبر قنوات الاتصال مع طهران ،ان الادارة الاميركية ،لن تكتفي بعملية قتل الشخص الابرز في الالة العسكرية للنظام الايراني ، بل هي أعدت العدة للذهاب بعيدا في عملياتها ضد الجمهورية الاسلامية نفسها ، في حال قررت الاخيرة التصعيد الجدّي ضد الاهداف الاميركية في المنطقة والعالم.
إقرأ أيضاً: إغتيال سليماني «يكسر ضلع» نصرالله!
كان لافتا ما أورده موقع ال “بي بي سي” الالكتروني في الاربع وعشرين ساعة الماضية، فكتب تحت عنوان “كيف انتهت معركة “اليوم الواحد” بين الولايات المتحدة وإيران؟” يقول :”خلال العام الأخير من الحرب العراقية-الإيرانية ما بين عامي 1980 و1988، شهد الخليج مواجهة عسكرية كبيرة بين القوات الإيرانية والبحرية الأميركية، انتهت بتدمير نصف القوات البحرية الإيرانية والعديد من المنشآت النفطية الإيرانية…”ومن دون الغوص في خلفيات ما كتبه الموقع، يبدو ان هناك تقاطعا بين إستعادة ما جرى في المواجهة في ذلك الزمن ، وبين معطيات المصادر الديبلوماسية المشار اليها .ففي المعطيات الجديدة ان الالة الحربية الاميركية لديها في بنك الاهداف تدمير كل المنشآت النفطية الايرانية ، ما سيحرم النظام الايراني من موارده بما فيها الوقود التي سيؤدي غيابها الى تعطيل كل الاليات الايرانية برّا وبحرا وجوّا.
وتضيف هذه المعطيات ان الانذار الاميركي لا يقتصر على الرد على الاعمال العسكرية التي ينفذها النظام الايراني ، بل يشمل أيضا كل الاعمال التي ينفذها حلفاء النظام في المنطقة ضد المصالح الاميركية ، على ان يكون الرد الاميركي في داخل إيران إيضا.ما يعني ان واشنطن ستحمّل طهران المسؤولية عن أي عمل مناهض لها سواء أكان مباشرة من إيران او من التشكيلات التابعة لها.
هل تعاملت طهران بالجدية اللازمة مع هذه المعطيات؟ يرجح المراقبون ان يكون المرشد الايراني قرر التعامل بجدية مع التهديدات الاميركية، ولن يغيّر الهجوم الصاروخي شيئا في المضمون .واورد هؤلاء في هذا السياق مؤشريّن:الاول ، ما ذكرته صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية، نقلا عن ثلاثة مصادر إيرانية مطلعة، إن المرشد علي خامنئي شدد على ضرورة أن يكون الرد على مقتل سليماني من قبل القوات الإيرانية مباشرة(وهذا ما حصل فعلا) ، وليس من خلال “وكلاء” لإيران في الشرق الأوسط.
أما المؤشر الثاني ، فهو نفي مجلس الأمن القومي الإيراني، أن يكون أمينه العام علي شمخاني، أجرى حديثا صحفيا، قال فيه إن “إيران لديها 13 سيناريو” للرد على اغتيال سليماني.وكانت مجلة “حرم” الايرانية هي التي نقلت عن شمخاني قوله إن “لدى إيران 13 سيناريو للرد على اغتيال سليماني أقلها سيكون كابوسا تاريخيا لأميركا”.
ورأى المراقبون في هذيّن المؤشريّن “تبريدا” من الجانب الايراني للسخونة التي طبعت المواقف في اليوميّن الماضيين، كما رأوا فيهما أيضا وضع اليد على التهديدات الصادرة عن حلفاء إيران ، على مثال المواقف التي أعلنها الامين العام ل”حزب الله” السيد حسن نصرالله في اللقاء التأبيني الذي اقامه الحزب الاحد الماضي.
اوساط وزارية في حكومة تصريف الاعمال قالت ل”النهار” ان “حزب الله” يدرك خطورة تدهور الموقف في لبنان تحت أي عنوان كان ،سواء أكان عنوانا أميركيا أم إسرائيليا.ولم تستبعد ان يكون ان يكون رئيس الجمهورية ميشال عون في أجواء موقف الحزب هذا، ما سمح له بإبلاغ المنسق الخاص للامم المتحدة في لبنان يان كوبيتش، ، أن “العمل قائم لتثبيت الاستقرار في لبنان، وعدم تأثير التطورات الامنية التي حصلت أخيرا على الوضع الامني في البلاد”، مشددا على “أهمية استمرار الهدوء على الحدود اللبنانية الجنوبية ومنع حصول اي تطور سلبي فيها”.كما سمح ذلك للرئيس عون ان يبلغ قائد القوات الدولية العاملة في الجنوب “اليونيفيل” الجنرال ستيفان دل كول “إلتزام لبنان القرارات الدولية، لا سيما منها القرار 1701، وذلك انطلاقا من ثبات الموقف اللبناني حيال ضرورة المحافظة على الهدوء على طول الحدود”.
هل تعني هذه المعطيات ان خطر المواجهة الايرانية-الاميركية إبتعد عن لبنان ؟ تجيب المصادر الديبلوماسية على هذا السؤال قائلة ان احدا لا يمكنه تقديم ضمانات وسط هذا التوتر الشديد الذي يخيّم على المنطقة.لكنها ترى ان “نزول نصرالله عن شجرة التهديدات” التي صعد اليها في لحظة غضب شديد يجب أخذه بالاعتبار. ودعت الى التعامل بدقة مع التغيير الكبير الذي طرأ على سياسة الادارة الاميركية في المنطقة.فبعد أعوام من التركيز على سلاح العقوبات فقط ،وهذا ما شدد عليه مساعد وزير الخارجية الاميركية ديفيد هيل في زيارته الاخيرة للبنان،تحوّلت هذه السياسة فجأة من دون سابق إنذار ما أدى الى تصفية سليماني عن سابق تصوّر وتصميم.ولفتت الى ان القائد السابق ل”فيلق القدس” ذهب ضحية إطمئنانه الى السياسة السابقة للادارة الاميركية ما جعله يعلن مسبقا عن وصوله على متن الطائرة من دمشق الى بغداد حيث لقيّ حتفه.
ما قبل سليماني ليس كما بعده.ولبنان هو في قلب هذا التغيير الذي يتأرجح حاليا بين حديّ “هدوء ما قبل العاصفة ” وبين “لن تختفي المصالح حتى ولو كان ذلك القبول بخسارة مسؤول بحجم سليماني”.

