السعوديه تواجه روسيا وايران في معركة «الهوية العربية»

مما لا شك فيه أن التدخل العسكري الروسي المباشر في سوريا، جاء في سياق طبيعي لسياسة موسكو اقليميا و دوليا، ولم يكن قرارا “طارئا” كما سوق كثيرون.
بعد انتهاء الحرب الباردة و سقوط الاتحاد السوفياتي، انتهت الثنائيه القطبيه وبدأ عهد “الاحاديه” الامريكية، وسادت حالة من التخبط في روسيا الى ان تولى بوتين السلطه عام 2000. دخل “القيصر” الكريملين برؤيته الخاصة للصراع في منطقه اوراسيا، وللعلاقات الروسية الاميركيه والغرب بشكل عام، وطموحه لاستعادة امجاد التاريخ. هذه العوامل كافة ساهمت في تأزيم الاوضاع وتصعيد حدة الازمات الدولية، وظهرت مؤشرات الصراع الاميركي-الروسي في اكثر من ساحة حول العالم.
حاول الاميركيون و الاوروبيون اقتلاع جورجيا من محيطها الجيوبوليتيكي وضمها للناتو أو لعضوية الاتحاد الاوروبي، الامر الذي اعتبره بوتين تهديدا للأمن القومي الروسي، فواجه عسكريا و انتزع جورجيا و اوتيسيا في ال 2008. و بعدها تصدى لمحاولات سلخ اوكرانيا عن الحضن الروسي وضمها الى الاتحاد الاوروبي، فتدخل عسكريا في شبه جزيره القرم عام 2014 وتصدى لمحاولات اختراق مجاله الحيوي حفاظا على امنه القومي. وفي ايلول من العام 2015، بدأت الطائرات الروسيه أعمالها الحربيه في سوريا، وهنا لا بد ان نذكر ان سوريا بالنسبه للروس هي “القاعده العسكريه” (طرطوس) و “النظام الحليف” والنفوذ الاخير على شواطئ المتوسط بعد ان أخرجوا مرغمين من ليبيا.

التدخل الروسي في سوريا

التدخل الروسي في سوريا

يختلف المراقبون حول قرار التدخل العسكري الروسي في سوريا واهدافه. البعض يعتبره نتاج طبيعي لسياسة المواجهة مع الولايات المتحدة في كافة الساحات، والبعض الآخر يرى فيه بوادر تنسيق مع الامريكيين بعد ان قررت واشنطن الانسحاب من المنطقة باتجاه شرق اسيا، شرط ان تتعامل موسكو مع تل ابيب في حل معالجة الازمات الشرق اوسطية بما يخدم مصالح الطرفين. لكن بمعزل عن القرار والاهداف، تبقى النتيجة واحدة: دخل الروس الى سوريا المطلة على البحر المتوسط، و هي منطقه ارتطام جيوبوليتيكي (crush zone) كما صنفها ماكندر حيث تشكل ساحه صراع بين القوى الدوليه، وهذا ما يظهر جليا اليوم بفعل تحول هذه البقعة الجغرافية الى ارض خصبة تستقطب كافة الاساطيل والدول والجيوش.
التوقيت الروسي جاء على اساس المصالح الروسيه الاستراتيجيه التي تسعى موسكو الى اعاده احياء دورها الامبراطوري. واجه بوتين التدخلات الاميركيه في الجوار حديقته الخلفية و انتقل لمقارعه الغرب والعرب في سوريا، فارضا نفسه شريكا حتميا في الحرب كما في مفاوضات السلم.
اين العرب من كل هذا؟
تتخذ المملكه العربيه السعوديه قرارها بمواجهة عسكريه، مطلقة “#عاصفة_الحزم” بمشاركة عشر دول. وبعد سنه تقريبا على مواجهتها للمشروع الايراني في اليمن، تعلن المملكه عن عملية عسكريه جديده قد تبدأ من شمال سوريا بمشاركه تركيه.
من الواضح ان المواجهه العسكريه اصبحت على ارض سوريا، لكن الايرانيين اشاروا في تصريح ل “علي أكبر ولايتي”، مستشار المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، إن تغييرات كبيرة حصلت في المنطقة، تمثلت في تعاون غير مسبوق بين روسيا وإيران(رغم التعاون بين موسكو والعدو الصهيوني)!، وتوقع أن يمتد ذلك التعاون إلى اليمن.
فهل نرى مشاركه عسكريه روسيه في اليمن؟ و هل يقترب الروس من منابع البترول و باب المندب؟ ام انها اوراق ضغط لتقدم السعودية تنازلات في سوريا لحماية حديقتها الخلفية وامنها القومي؟

إقرأ أيضاً: بالأرقام والتواريخ(4): انفصام حزب الله… وشكراً قطر
منطق الصراع قائم على اسس جيوبوليتيكيه واضحه ، فمن يسيطر على سوريا يسيطر على المشرق العربي، و يشكل تهديدا كبيرا للخليج العربي الذي بات مهددا بالحصار من الشمال (في حال سقطت سوريا) ومن الشرق حيث ايران تسيطر على القرار السياسي العراق، و من الجنوب حيث الدور الايراني الحالي والروسي المزعوم في اليمن.

الجيش السعودي

الجيش السعودي

بناء على كل ما تقدم ، يشعر السعوديون ان المعركة في اليمن ليست الاولوية الوحيدة، بل ان المعركة في سوريا تندرج ضمن اولويات غير منفصلة. والضغط السعودي في سوريا يعني ضرب قلب الازمه و قلب موازين الصراع.
ليس سرا ان سوريا باتت تشكل منطقه تصادم المشاريع و القوى الدوليه، قد ينتج في نهايه المطاف منظومة اقليمية ودولية قد تحكم العالم لعقود مقبلة. وليس سرا ايضا ان المعلومات عن عمل عسكري سعودي-تركي شمال سوريا، يهدف اولا الى حجز موقع متقدم لهما في اداره شؤون المنطقه.

إقرأ أيضاً: عندما يحاضر حزب الله تابع ولاية الفقيه… ضد التبعية!
سعى الروس الى دور اكبر في المنطقه و تعويض ما خسرته “بالمفرق” لتربحه “بالجمله” على مستوى دورها و حلمها الامبراطوري ، و دخلت السعوديه في المعركه لتدافع عن امنها القومي في اليمن و الامن القومي العربي في سوريا و عن “الهويه العربيه” للمنطقه. بهذا المعنى اتضحت معالم الصراع اللبناني الداخلي الذي استعر الاسبوع الماضي على وقع الصراع الاقليمي-الدولي: هوية لبنان.. عربية ام فارسية؟ ولعل ابعاد الموقف السعودي من لبنان الرسمي و”المخطوف سياسيا” يوجه رساله واضحه الى دول المنطقه انه لا وجود لمواقف مواربه في المرحله المقبله وعلى الجميع ان يحسم موقفه في معركه “الهويه العربيه”.

آخر تحديث: 24 فبراير، 2016 1:24 م

مقالات تهمك >>