مع ان التعميم يُجافي الموضوعية، لا نظلم الزعماء اللبنانيين ان قلنا انهم اصيبوا، منذ فترة، بعوارض هبوط البريق وتراجع "الكاريسما" وتقلص القدرة الجاذبة على سحر المشغوفين والأنصار والأتباع. هي آفة طارئة تستحق المعاينة، بوجهيها السلبي والايجابي. ومن يدري؟
لعل كفتها الايجابية ترجح تماما على الوجه السلبي، اذا كان لهذا العارض ان يستقيم على متغيرات جذرية في الثقافة السياسية للناس واللبنانيين، خصوصا وسط الثورات العارمة الدموية التي تضرب المنطقة.
قطعا ليس ثمة اوهام لدى احد في ان لبنان مقبل على "ثورة ثقافية" من هذه الناحية. ولكن المغزى في تظهير حال التراجع الراهنة في حضور الزعامات يكمن في عاملين تجمع بينهما مفارقة ايجابية مخالفة لقواعد اللعبة الزعاماتية التقليدية. فثمة تهيّب ساحق ماحق لدى مجمل الطبقة السياسية وقادتها حيال اللغة الغرائزية الصرفة، من دون ان يعني ذلك انتفاء الخطاب الدعائي بطبيعة الحال. وثمة ايضا لعنة امنية توحّد الزعامات في مصيبة التحوط للاغتيالات والعصر الامني الخطير الذي يجتازه لبنان.
في ذلك تبدو هذه الزعامات لمرة نادرة امام استحقاق قلّ نظيره، هو استحقاق "الترصن" ومسؤولية التقدير الفوق العادة حيال الخطاب السياسي. وتغلب على المشهد "المكمود" والمشدود مساواة، لعلها نادرة ايضا، بين الزعيم و"العادي" من الناس.
لا يستدعي هذا المشهد حتما اي تهليل، خصوصا متى كانت مسبباته متصلة بما يخشى انه فوق قدرة الزعامات، وحتى فوق الارتباطات الخارجية لغالبيتهم، فمعنى ذلك ان لبنان يساق قسرا الى قدر لا يريده ويرفضه ويعجز عن مواجهته وصدّه.
ومع ذلك، لا يمكن انكار الجانب الايجابي الذي يرفع المنسوب المنطقي في الخطاب السياسي على حساب المنطق التعبوي الغرائزي والشعبوي. ويمكن الزعم هنا ان الاشهر الاخيرة دفعت بهذه الظاهرة المتسللة، ولو بخفر تدريجي الى معظم مواقف القادة السياسيين، في معظم المواقع والجهات والانتماءات والارتباطات. وليس أدل الى ذلك من تقاطع نادر جدا في اجماع هؤلاء تقريبا على استبعاد الحرب الاهلية، مقرونا بتجارب ملموسة، غالبا ما كان لبنان يذهب معها الى حافة الهاوية، ثم سرعان ما يعود عنها. وهو واقع وان كان لا يشكل ضمانا قاطعا على تجنب القفز في الهاوية، فإنه على الاقل يعمم، (والتعميم هنا شديد الايجابية)، الانطباع بأن لبنان المفكك والمضطرب ربما لا يزال قادرا على ادهاش الخارج والداخل باحدى عجائبه، عجيبة النجاة هذه المرة من كل نبوءات الانهيار والحريق.

