فيصل الدويسان والمفاعل النووي

ثمة حقيقة ستراتيجية قائمة ومعلنة في الإقليم الخليجي والعربي عموما تؤكد بأن المنطقة تعيش على حافة صدع زلزالي هائل وبراكين رهيبة قد تنفجر في أية لحظة, وإن تداعيات سياسات العقود الماضية قد تجمعت كل بقاياها وشظاياها في هذه المرحلة بالذات لتقدم دفعة حساب كريهة ستجبر شعوب المنطقة على تحمل مضاعفاتها وإشكالياتها, ولعل قضية التهديد الإسرائيلي لتدمير مفاعل بوشهر النووي الإيراني هو واحد من أبرز الأخطار القائمة وليس الخطر الوحيد بالطبع, فالربيع العربي يسير اليوم نحو نهايات حاسمة وخطرة, وقطار الثورة الشعبية الشاملة الذي انطلق منذ ربيع طهران الذي تحول لشتاء جامد ستنتهي برودته قريبا بكل تأكيد قد تحركت قاطرته في الشرق العربي بشكل مفاجئ وغير محسوب ليطيح بعتاة وفراعنة وطغاة ظنوا أنفسهم بمنأى عن أي تغيير,

فإذا بعواصف الثورة الشعبية تطيح بهم وكان آخرهم ملك الملوك الإفريقي والدكتاتور الجماهيري الأخضر الذي كان معمر القذافي, وطبعا قاطرة الثورة العربية مستمرة في زخمها وانطلاقتها رغم بعض الانتكاسات المرحلية والوقفات التعبوية الضرورية التي لن تقطع أنفاس الجماهير نحو مواصلة الهدف, فتلك حتمية تاريخية آن أوان تسديد استحقاقاتها بالكامل, والنظام السوري يقف اليوم منتظرا دوره المقبل وغروب شمسه التي حسمها الشعب السوري الحر الثائر وهو يخوض أشرف وأنبل وأطهر ثورة عربية في القرن الحادي والعشرين, كما أن الموقف القلق في العراق وازدحام الملفات وصراع الإرادات وتضاد الملفات قد جعل من المنطقة بؤرة ساخنة تنذر بتطاير حمم رهيبة قد تصنع في النهاية مشهدا تراجيديا لا يمكن السيطرة عليه, المهم إنه وسط عوالم الحروب والمجابهات وسيناريوهات المستقبل, خرج على الملأ سعادة النائب الكويتي المحترم السيد فيصل الدويسان بسؤال لوجستيكي حول استعدادات الكويت للتعامل مع نتائج أية ضربة إسرائيلية محتملة لمفاعل بوشهر الإيراني النووي وهي ضربة إن حدثت ستسبب كارثة بيئية وإنسانية فظيعة وكارثية لاسمح الله, وجميعنا يتذكر قيام الطيران الإسرائيلي يوم الأحد 7 يونيو 1981 بضرب وتدمير المفاعل النووي العراقي وجعله أثرا بعد عين لكن ذلك المفاعل لم يكن في حالة تشغيل وبالتالي لم تعرف نتائج تلك الضربة على البيئة رغم أن السرطانات المنتشرة في العراق حاليا ربما تكون أحد النتائج غير المعروفة لتلك الضربة, إلا أن الحالة في المفاعل الإيراني مختلفة بالكامل خصوصا وأنه يقع على شواطئ الخليج العربي ومقابل الكويت والمنطقة الشرقية في السعودية وحيث الكثافة البشرية والنشاط الإنساني والحضاري. كان بودي أن يعلن الدويسان بأن موقع ذلك المفاعل خاطئ بالكامل ويحمل القيادة الإيرانية بالتالي مسؤولية الاستهتار بأرواح ومصالح شعوب المنطقة! فبصرف النظر عن الاستعمال العسكري لذلك المفاعل فإن وجوده رغم سلميته, خطر للغاية فلا أحد يضمن عدم إمكانية حدوث تسرب نووي وإشعاعي في بلد متخلف كإيران وحافل بالصراعات الانتقامية بين أقطاب السلطة نفسها, فالرئيس يكيد للولي الفقيه, ومعسكر الأخير يستعد لشحذ سكاكينه ضد أنصار الطرف الثاني, والشعب الإيراني حائر بين صراع الفقيه والرئيس وما بينهما من العناصر والجلاوزة والأزلام والعمائم..!

فليس سرا إن الرئيس الإيراني آغاي نجاد يفكر ويعمل وفق أسلوب ميتافيزيقي يستعجل فيه ظهور المنقذ المنتظر, وهو بالتالي مستعد لارتكاب واقتراف حماقات سياسية وعسكرية تحقيقا لرؤاه الفكرية وهي الرؤى التي تسخر منها حوزة قم الدينية ذاتها وتعتبرها تطرفاً وهرطقة, ولن أدخل في تفاصيل صراعات أعمدة النظام الإيراني الميتافيزيقية سوى بالقول بأن اللعبة النووية ليست سهلة بالمرة وهي مكلفة للغاية, فانظروا إلى ما تعانيه اليابان من نتائج الزلزال الأخير على مفاعلاتها النووية رغم التقدم العلمي الهائل في اليابان والذي لا يقارن بالحالة في إيران وغيرها من دول الشرق السعيدة بتخلفها, ومع ذلك فاليابانيون في كارثة لا يمكن التكهن بنتائجها وأبعادها, فالوحش النووي لا يعرف الرحمة, وكم كنت أتمنى لو عمل النائب الدويسان والجمهرة التي معه من أجل إقناع النظام الإيراني بتأجيل موضوع افتتاح المفاعل أو نقله بعيدا عن شواطئ الخليج العربي وتحويله لخراسان أو بحر قزوين بدلا من خليج وبحر العرب ولكننا ننفخ في قربة مثقوبة لقد صمت الجميع في المنطقة عن الخطر النووي الإيراني حتى أضحى الموضوع النووي اليوم مرتبطا للأسف بمصير أنظمة سياسية, فليس سرا إن النظام الإيراني ومنذ احتلال العراق العام 2003 وسرقة جميع معدات وملفات المشروع النووي العراقي التي سلمتها الأحزاب الطائفية للنظام الإيراني, وبما عجل من المشروع النووي الإيراني وخصوصا في موضوع أجهزة الطرد الخارجي ومن أجل إنجازه ليكون عنصر ضغط سياسي لتحقيق الأهداف الإيرانية في المنطقة وهذه من حقائق الأمور,

خصوصا وأن التحالفات الستراتيجية الإيرانية في المنطقة هي اليوم في حالة خطر في ضوء حالة الانهيار التي يعيشها النظام السوري وتضعضع الوضعية العامة لحزب الله اللبناني والتحدي الذي يواجه الأحزاب الطائفية في العراق بعد أن فشل مشروعها السلطوي. فالسباق النووي الإيراني اليوم يعتبر حالة دفاع قومي إيراني للمصالح العليا, وأي تهاون فيه سيؤدي لكارثة, كما إن الإصرار عليه سيؤدي لكوارث أيضا, وأعتقد أن النائب الدويسان رغم علاقاته الإقليمية الواسعة سواء مع الأحزاب الحاكمة في العراق أو النظام الإيراني نفسه فإن الأحداث قد تجاوزت قدراته التفاوضية لأنها دخلت في المنطقة الدولية, كما إن الكويت, شأنها شأن سائر دول المنطقة, ستحاول مواجهة الموقف وفق خطط حكومية ووقائية لايمكن أن تعلن وتطرح على قارعة الطريق لأنها خيارات ستراتيجية وأمنية حساسة تتداخل فيها مؤثرات وعوامل, ولكننا في جميع الأحوال نتمنى أن ينجح النائب فيصل الدويسان في جهوده لمنع الحرب الكارثية في الخليج العربي.. عندها سيستحق بالتأكيد جائزة نوبل للسلام!  

السابق
السيد نصر الله: لا حرب على لبنان.. ولا تمويل للمحكمة على قاعدة أنها لم تعد موجودة
التالي
إستنفار عسكري تركي