في الأيام الأخيرة، تصاعدت وتيرة النقاشات في الأروقة السياسية والإعلامية اللبنانية حول ما تردد عن “طلب أميركي” غير رسمي يتعلق بإلغاء قانون مقاطعة إسرائيل، وهو ملف لا يزال يلفه الغموض في ظل غياب أي تأكيد رسمي من الجانبين اللبناني أو الأميركي.
وعلى الرغم من أن هذا الموضوع يندرج في خانة “البالونات الاختبارية” أو الضغوط الدبلوماسية غير المعلنة، إلا أن إثارته في هذا التوقيت الحساس تفتح الباب واسعاً أمام قراءة متأنية للأبعاد القانونية والسياسية، والتحديات الوجودية التي يفرضها هذا الطرح على بنية الدولة اللبنانية.
الإطار القانوني لقانون المقاطعة
قانون مقاطعة إسرائيل في لبنان ليس مجرد نص تشريعي عابر، بل هو ركن أساسي من أركان السياسة الخارجية اللبنانية منذ نشوء الكيان الإسرائيلي.
يستند هذا القانون إلى “قانون مقاطعة إسرائيل” الصادر في 23 حزيران 1955، والذي يمنع بوضوح أي تعامل، تجارياً كان أو مالياً أو ثقافياً، مع الكيان الإسرائيلي، ويجرم كل من يقوم بذلك.
قانونياً، يُعد هذا التشريع بمثابة إعلان استمرار حالة الحرب، وهو تعبير سيادي عن الموقف اللبناني الذي يرفض الاعتراف بإسرائيل. إلغاء هذا القانون، إذا ما طُرح جدياً، يتطلب مساراً تشريعياً معقداً يبدأ من مجلس الوزراء (حيث يحتاج لإجماع أو توافق سياسي واسع)، وصولاً إلى مجلس النواب الذي يجب أن يقر تعديلاً أو إلغاءً للقانون. قانونياً، المسألة ليست مجرد “إجراء إداري”، بل هي “تغيير دستوري وتوجهي” في عقيدة الدولة اللبنانية.
الأبعاد السياسية للطلب الأميركي (المفترض)
تأتي التسريبات حول هذا الطلب في سياق سياسة أميركية عامة تهدف إلى دمج إسرائيل في النسيج الإقليمي للشرق الأوسط، وهو ما نراه في “اتفاقيات أبراهام” وغيرها من مسارات التطبيع.
بالنسبة لواشنطن، يُعد قانون مقاطعة إسرائيل “عائقاً” أمام أي دمج مستقبلي للبنان في اقتصاد المنطقة أو في أي مشاريع إقليمية قد ترعاها الولايات المتحدة.
سياسياً، يحمل هذا الطرح دلالات بالغة الخطورة:
- تطبيع قسري: إلغاء قانون المقاطعة يعني، عملياً، اعترافاً ضمنياً بالكيان الإسرائيلي، وهو ما ينسف “مبدأ المقاطعة” الذي تبناه لبنان منذ عقود.
- ضغط الاستقرار: يرى البعض أن الإدارة الأميركية قد تستخدم هذه الورقة كشرط لـ “مساعدة” لبنان في خروجه من أزماته الاقتصادية أو لترسيم “مرحلة ما بعد الحرب”، مما يضع الحكومة اللبنانية في زاوية حرجة: هل تختار الخضوع للضغوط الدولية أم التمسك بثوابت سيادية؟
هل يمكن للدولة اللبنانية أن تقدم على هذه الخطوة؟
سؤال الجدوى والقدرة هو الأهم هنا. من الناحية الواقعية، يبدو من المستبعد جداً، بل من شبه المستحيل في الظروف الحالية، أن تقدم الدولة اللبنانية على خطوة كهذه، وذلك لأسباب جوهرية:
- التوازن الداخلي الهش:
لبنان محكوم بتوازنات طائفية وسياسية دقيقة. وإلغاء قانون المقاطعة سيشكل “زلزالاً سياسياً” سيؤدي إلى انقسام عمودي في المجتمع اللبناني. والقوى الوازنة في لبنان، وعلى رأسها “حزب الله” وحلفاؤه، تعتبر إسرائيل “عدواً وجودياً”، وبالتالي فإن أي خطوة نحو إلغاء المقاطعة بحسب هؤلاء ستعتبر خيانة وطنية وتخلياً عن عقيدة “المقاومة”. - المؤسسات الدستورية:
مجلس النواب اللبناني، بتركيبته الحالية، لا يمكن أن يوفر غطاءً تشريعياً لمثل هذا القرار. الصراعات السياسية الحادة، وغياب التوافق حول القضايا الاستراتيجية، يجعلان من إلغاء القانون مغامرة انتحارية لأي سلطة سياسية قد تفكر فيها. - الرأي العام:
على الرغم من الأزمات الاقتصادية، لا يزال الموقف الشعبي اللبناني العام، بمختلف أطيافه، يميل إلى اعتبار إسرائيل عدواً، ولا توجد قاعدة شعبية عريضة تضغط من أجل “التطبيع” أو إلغاء المقاطعة.
إن إثارة موضوع “إلغاء قانون مقاطعة إسرائيل” في ظل غياب أي تأكيد رسمي، يندرج غالباً في إطار “الحروب النفسية” أو “الضغوط الدبلوماسية” التي تسبق التسويات الكبرى. الدولة اللبنانية، في وضعها الراهن، أضعف من أن تتحمل تبعات هكذا قرار، وأكثر حاجة من أي وقت مضى إلى التوافق الداخلي. قانون المقاطعة اليوم ليس مجرد نص قانوني جامد، بل هو “خط أحمر” سياسي يتجاوز التوازنات الحزبية الضيقة ليلامس جوهر الهوية الوطنية اللبنانية.
لذا، سيبقى هذا الطرح، وإن وُجد كفكرة في أروقة الدبلوماسية الغربية، اصطداماً بجدار الواقع اللبناني الصلب، حيث تتحول السياسة، في لحظات الأزمات، إلى دفاع وجودي لا يترك مجالاً للتنازلات الكبرى. لبنان، الذي يغرق في أزماته، لا يملك ترف “التطبيع” ولا القدرة على مواجهة انقسام داخلي قد ينهي ما تبقى من استقرار فيه.

