كشفت شبكة “سي أن أن” الأميركية، نقلاً عن أربعة مصادر مطلعة، تفاصيل بالغة السرية حول قيام إسرائيل بنشر وحدات عسكرية واستخباراتية نخبوية في أذربيجان ودول أخرى خلال حربها الأخيرة مع إيران. وجاء هذا التحرك ضمن شبكة أوسع من المواقع السرية في عدة بلدان طُوِّرت لتسهيل العمليات الهجومية، وجمع المعلومات، ودعم المجهود العسكري ضد طهران.
قواعد المراقبة والكوماندوز على حدود إيران الشمالية
وفقاً للمصادر، عملت القوات الإسرائيلية من عدة مواقع سرية تقع في جنوب أذربيجان بالقرب من الحدود الشمالية لإيران، وتحديداً على مسافة لا تتجاوز 60 ميلاً من مدينة تبريز الإيرانية التي استهدفتها إسرائيل خلال الحرب. وضمت هذه القوات عشرات الجنود من وحدات النخبة المحمولة جواً للقتال والإنقاذ، وقوات الكوماندوز الخاصة، بالإضافة إلى عناصر من جهاز الاستخبارات “الموساد”.
وتوسعت مهام هذه الوحدات من خطة أولية كانت تقضي بكونها “فرق إنقاذ محتملة في حالات الطوارئ” إلى تحولها لقواعد عملياتية متكاملة لجمع المعلومات وتشغيل طائرات مسيّرة (درونز). وقد وفرت هذه النقطة المتقدمة لإسرائيل مرصداً استراتيجياً للاطلاع المباشر على التحركات العسكرية والمنشآت في شمال إيران، فضلاً عن رصد مؤشرات إطلاق الصواريخ مبكراً.
التحضيرات وكواليس إلغاء ترامب للضربات الأولى
بدأت التجهيزات الإسرائيلية للمهمة قبل أسابيع من اندلاع الحرب الفعلية؛ ففي منتصف يناير، تزامناً مع قيام السلطات الإيرانية بقمع احتجاجات واسعة النطاق، زرعت الاستخبارات الإسرائيلية أجهزة تنصت ومعدات تجسس متطورة على الحدود الأذربيجانية-الإيرانية.
وكانت الخطة تقضي بأن تنطلق العمليات العسكرية بالتزامن مع الضربات الجوية الأولى للحرب في منتصف يناير، بمشاركة طائرات شبحية تابعة للقوات الجوية الإسرائيلية إلى جانب القوات الخاصة، نظراً لقناعة القيادة السياسية في تل أبيب بفشل المفاوضات الأميركية-الإيرانية. غير أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب تدخل وألغى تلك الضربات في اللحظة الأخيرة، مبرراً خطوته بأن “إيران وافقت على وقف قتل المتظاهرين”.
عمليات نوعية: اغتيال مسؤول الحرس الثوري وضغوط ميدانية
أكدت المصادر أن المواقع السرية في أذربيجان كانت منطلقاً لعمليات نوعية، أبرزها اغتيال “رحمان مقدم”، مسؤول وحدة الاستخبارات في الحرس الثوري الإيراني، في 4 مارس؛ وتتهمه إسرائيل بالمسؤولية عن التخطيط لمحاولة اغتيال ترامب عام 2024.
وفي اليوم التالي للاغتيال (5 مارس)، تعرّض مطار في إقليم “ناخيتشيفان” الأذربيجاني لهجوم بطائرات مسيّرة أسفر عن تضرر أحد المباني وإصابة عدة أشخاص. وحينها، وجّه الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف أصابع الاتهام مباشرة إلى طهران، واصفاً الهجوم بالعمل الإرهابي، وهو ما نفته إيران قاطعاً.
النفي الرسمي من باكو وبغداد
في المقابل، سارعت سفارة أذربيجان في الولايات المتحدة إلى إصدار بيان رسمي رفضت فيه بشكل قاطع هذه المزاعم، واصفة إياها بالادعاءات غير المستندة إلى أساس، ومشددة على أن أراضي البلاد لم ولن تُستخدم لشن عمليات ضد دول ثالثة.
وتتشابه هذه الديناميكية مع المشهد في العراق؛ حيث أفادت مصادر أمنية عراقية الشهر الماضي بأن إسرائيل احتفظت بمنشأتين سريتين داخل الأراضي العراقية خلال الحرب، وهو ما سارع الجيش العراقي بنفيه، معتبراً أن ما رُصد كان مجرد محاولة إنزال إسرائيلي فاشلة في صحراء النجف.
محطة القرن الإفريقي: اختراق في أرض الصومال
لم تقتصر الشبكة السرية على محيط إيران المباشر، بل امتدت إلى القرن الإفريقي؛ حيث أفاد أحد المصادر بأن إقليم “أرض الصومال” الانفصالي قد وفّر لإسرائيل موقعاً عسكرياً إضافياً يُستخدم كنقطة توقف تكتيكية وتزود بالوقود للطائرات الإسرائيلية خلال رحلاتها بعيدة المدى نحو إيران. وتأتي هذه التسهيلات بعد أن أصبحت إسرائيل، في ديسمبر الماضي (2025)، أول دولة في العالم تعترف رسمياً باستقلال أرض الصومال.
خلفية العلاقات بين تل أبيب وبـاكو
يُذكر أن إسرائيل وأذربيجان ترتبطان بعلاقات استراتيجية وتجارية وعسكرية وثيقة قديمة؛ إذ تزود باكو تل أبيب بجزء كبيري من احتياجاتها النفطية، في المقابل تبيعها إسرائيل أسلحة ومنظومات دفاعية متطورة، استُخدم بعضها في النزاعات المسلحة بإقليم ناغورنو كاراباخ. كما تُعد أذربيجان أول دولة أجنبية تشتري منظومة الدفاع الجوي الإسرائيلية “القبة الحديدية” وكان ذلك في عام 2016.

