في مؤشر لافت على رغبة طهران في احتواء أزمة “مذكرة التفاهم” المتعثرة مع واشنطن، كشفت قناة “الحدث” نقلاً عن مصادرها، أن إيران أبلغت الوسيط الباكستاني قبولها رسمياً بنقل جزء من مخزونها من اليورانيوم المخصب إلى دولة ثالثة يتم التوافق عليها، في خطوة تهدف إلى إبداء “تنازلات جدية” تلبيةً للشروط الصارمة التي وضعها الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
كواليس التنازل الإيراني: محاولة لكسر “فيتو ترامب”
يأتي هذا التطور الدبلوماسي البارز بعد أيام قليلة من الرفض القاطع الذي أبداه الرئيس الأميركي دونالد ترامب للمقترح الإيراني السابق.
وكان ترامب قد وجّه صدمة للمفاوضين الإيرانيين عندما أبلغ مساعديه سراً بأنه لن يمنح طهران أي مزايا مالية أو يفرج عن الأصول المجمدة قبل أن تقدم “تنازلات جدية وملموسة منذ البداية”، رافضاً تقسيط التنازلات الإيرانية على فترات زمنية طويلة.
وكشف ترامب أن إدارته ناقشت في وقت سابق إمكانية تنفيذ عملية عسكرية تهدف إلى إزالة مخزون اليورانيوم عالي التخصيب من إيران، مشيراً إلى أن مثل هذه العملية كانت ستتطلب وجوداً ميدانياً قد يمتد إلى أسبوعين.
وقال ترامب، خلال حديثه للصحفيين في البيت الأبيض، إن تنفيذ المهمة ليس بالأمر السهل، موضحاً أن اليورانيوم الإيراني موجود في مواقع محصنة وتحتاج إلى تجهيزات كبيرة للتعامل معها.
وأضاف: “في البداية فكرنا في القيام بذلك، لكن الأمر يتطلب البقاء هناك لمدة أسبوعين والكثير من المعدات”.
وأكد الرئيس الأميركي أن الولايات المتحدة تراقب المواقع النووية الإيرانية عن كثب، مشيراً إلى أن أي محاولة لنقل أو الاقتراب من المواد النووية ستتم متابعتها.
ووفقاً للمعلومات الدبلوماسية المستجدة، فإن المبادرة الإيرانية لنقل اليورانيوم عبر الوسيط الباكستاني تمثل محاولة مباشرة لتلبية الخطوط الحمراء الأميركية، والتمهيد لتوقيع اتفاق شامل يعيد فتح المضائق البحرية ويفكك الطموح النووي الصاروخي لطهران، ضمن المهلة التي حددتها الإدارة الأميركية بـ 60 يوماً للمفاوضات.
من جهته أعلن كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية الإيراني، أن المفاوضات الجارية بين إيران والولايات المتحدة “أحرزت تقدمًا كبيرًا” على مستوى صياغة نص التفاهم.
وأشار غريب آبادي وهو أحد المفاوضين الإيرانيين، في مقابلة مع وكالة أنباء “مهر” الجمعة، إلى أن القضايا المرتبطة برفع العقوبات والملف النووي ستُبحث خلال المرحلة الثانية من المفاوضات.
وقال إن “طهران تشترط التوصل إلى تفاهم يضمن مصالحها الوطنية بشكل كامل، وفي مقدمتها وقف دائم وفوري للحرب في جميع الجبهات، بما فيها لبنان، ورفع الحصار البحري، والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة في الخارج”.
وأوضح أن إيران تطالب بالإفراج الفوري عن 50% من أموالها المجمدة فور توقيع مذكرة التفاهم، على أن يُفرج عن النسبة المتبقية خلال فترة لا تتجاوز شهرًا أو شهرين.
وفيما يتعلق بتطورات لبنان، شدّد المسؤول الإيراني على أن أي خرق لوقف إطلاق النار هناك يُعد انتهاكًا للتفاهمات القائمة، مؤكدًا أن طهران أبلغت الأطراف المعنية بأنها كانت مستعدة لاتخاذ إجراءات مباشرة لو استمرت الهجمات الإسرائيلية.
وأكد غريب آبادي، أن إيران لن تتخلّى عن دعم حلفائها في المنطقة، وأنها تتابع، بالتوازي، مسار التفاوض مع واشنطن وسلوك الولايات المتحدة وإسرائيل على الأرض، معتبرًا أن أي تصعيد جديد قد ينعكس على مجمل العملية التفاوضية.
وبشأن مضيق هرمز، أوضح أن إيران وسلطنة عُمان تمتلكان حق إدارة شؤون المضيق وفق القانون الدولي، لافتًا إلى أن طهران تدرس فرض رسوم مقابل الخدمات البحرية والأمنية والملاحية التي تقدمها للسفن العابرة.
واعتبر غريب آبادي، أن “هذه الإجراءات لا تتعارض مع قانون البحار الدولي”.
وأشار إلى أن بلاده متمسكة بالحصول على تعويضات عن الأضرار الناجمة عن الحرب الأخيرة، ورفع جميع العقوبات المفروضة عليها، إضافة إلى تسوية الملفات المتعلقة بالوكالة الدولية للطاقة الذرية، ومجلس الأمن ضمن أي تفاهم مستقبلي.
ترابط الساحات: تفكيك النووي مقابل نار بيروت
وجاءت هذه المرونة الإيرانية المفاجئة في الملف النووي بالتزامن مع تفجر الميدان والسياسة في لبنان، حيث تترابط الملفات بشكل وثيق:
- شروط طهران الإقليمية: كانت طهران قد ربطت مصير ملفها النووي بوقف إطلاق النار بين إسرائيل وحليفتها “المقاومة في لبنان”.
- اتفاق واشنطن الثلاثي وضغوط الميدان: تزامن العرض الإيراني مع إعلان واشنطن عن “اتفاق أمني ثلاثي” لوقف النار يعتمد على تفكيك سلاح حزب الله جنوب الليطاني، وهو ما رفضه أمين عام الحزب في لبنان توازياً مع إعلان قائد فيلق القدس إسماعيل قاآني بأن شرط التهدئة هو انسحاب إسرائيل الشامل.
- الضغط الأميركي على تل أبيب: في المقابل، وبحسب تقارير صحفية، كان ترامب قد طالب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بـ “غضب” بضرورة إلغاء الهجمات المخطط لها على الضاحية الجنوبية لبيروت لإعطاء فرصة للمفاوضات الأميركية الإيرانية، إلا أن الميدان عاد ليشتعل بغارات إسرائيلية عنيفة استهدفت اليوم قضاءي صيدا والنبطية (كفرفيلا وعنقون).
قراءة في الأبعاد الدبلوماسية
ويرى مراقبون أن موافقة إيران على ترحيل جزء من اليورانيوم لدولة ثالثة يعكس حجم الضغوط الاقتصادية والعسكرية التي تواجهها طهران، خاصة مع تهديد ترامب الصريح لإنهاء أي وقف لإطلاق النار في حال تعرّض الجنود الأميركيين في المنطقة لأي استهداف، وتلويح وزير خارجيته ماركو روبيو بأن الضربات الأميركية جاهزة للرد على أي تحرك إيراني.
وتتجه الأنظار الآن نحو البيت الأبيض لمعرفة ما إذا كان هذا التنازل الإيراني الجديد كافياً لـ ترامب لإعادة تفعيل “مذكرة التفاهم” والبدء في الإفراج الجزئي عن أموال طهران، أم أن واشنطن ستتمسك بنزع السلاح الكامل لحلفاء إيران في المنطقة كشرط متلازم مع ترحيل اليورانيوم.

