في خطوة متزايدة من التصعيد بين الولايات المتحدة وفنزويلا، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 29 نوفمبر 2025 عن إغلاق المجال الجوي فوق فنزويلا. هذا الإجراء، الذي يُعتبر تطورًا كبيرًا في السياسات الأمريكية تجاه فنزويلا، يأتي في إطار عملية عسكرية محتملة، يعتقد البعض أن هدفها ليس فقط مكافحة تهريب المخدرات، بل ربما الإطاحة بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، الذي تعتبره واشنطن زعيمًا غير شرعي.
إغلاق المجال الجوي: تحرك أمريكي هجومي أو مجرد تهديد؟
الخطوة الأمريكية بإغلاق المجال الجوي الفنزويلي تمثل محاولة لتعزيز الضغط على نظام مادورو. ترامب أعلن عن القرار عبر حسابه الرسمي على “تروث سوشيال”، مشيرًا إلى أن الهدف من هذا الإغلاق هو مكافحة تهريب المخدرات الذي يعبر الأراضي الفنزويلية. لكن العديد من المراقبين يعتقدون أن الهدف الأكبر يكمن في الإطاحة بمادورو، وهو ما يراه البعض بداية لتحركات عسكرية أكبر. قبل إعلان ترامب، كانت إدارة الطيران الفيدرالية الأمريكية (FAA) قد حذرت بالفعل شركات الطيران من الزيادة المحتملة للنشاط العسكري في المنطقة.
على الرغم من أن الولايات المتحدة لا تملك السلطة القانونية لإغلاق المجال الجوي لدولة أخرى، إلا أنها تمارس تأثيرًا كبيرًا على الشركات الأمريكية من خلال منعها من التحليق فوق فنزويلا. هذا يضع فنزويلا في موقف حرج ويزيد من التوترات بين البلدين.
تصريحات ترامب: البداية الفعلية للعملية العسكرية؟
تصريحات ترامب بشأن إغلاق المجال الجوي جاءت بعد خطاب أدلى به بمناسبة عيد الشكر، حيث أعلن فيه عن بدء عملية عسكرية برية لمكافحة المخدرات في فنزويلا. وأكد في حديثه: “مع البر، يصبح الأمر أسهل. سيبدأ قريبًا جدًا. لقد حذرناهم: توقفوا عن إرسال السموم إلى بلادنا”. ورغم أن ترامب لم يصرح علنًا بنيته الإطاحة بمادورو، فإن التحركات العسكرية الأمريكية، بما في ذلك الانتشار البحري في المنطقة، تشير إلى نية أكبر من مجرد مواجهة تهريب المخدرات.
في خطوة موازية، كانت حاملة الطائرات “جيرالد ر. فورد” قد وصلت إلى منطقة البحر الكاريبي في 16 نوفمبر 2025، مما يعد أكبر تمركز للقوة القتالية الأمريكية في المنطقة منذ سنوات. هذه الحاملة، التي تضم أكثر من 15 ألف جندي و10 سفن حربية، تُعتبر جزءًا من خطة أكبر تستعد فيها الولايات المتحدة لتوسيع عملياتها في المنطقة.
الاستعدادات العسكرية الأمريكية على الأرض والبحر
بحسب تقرير لصحيفة وول ستريت جورنال، فإن العمليات البرية الأمريكية ستبدأ قريبًا في فنزويلا بعد تعزيز الوجود العسكري الأمريكي في الدول المجاورة. عملية “الرمح الجنوبي” التي أعلنت عنها الولايات المتحدة تشمل نشر قوات إضافية في المنطقة وتجهيز مهبط للطائرات العسكرية الأمريكية في جزيرة توباغو، ما يُعتبر تحضيرًا لهجوم بري محتمل. مع الاستعدادات العسكرية في البحر، تصاعدت المخاوف من تدخل عسكري أوسع في فنزويلا.
فنزويلا تستعد لمواجهة عدوان خارجي: استراتيجية مقاومة العصابات
في المقابل، كاراكاس تُنظم استعداداتها لمواجهة أي عدوان عسكري محتمل من قبل الولايات المتحدة. ووفقًا لمصادر رويترز، تعمل الحكومة الفنزويلية على تحضير خطة مقاومة عصابات لمجابهة التفوق التكنولوجي والعسكري للولايات المتحدة. وتعتمد الاستراتيجية على خلق الفوضى وتعبئة السكان في مواجهة القوات الأمريكية، في محاولة لإضعاف أي هجوم أمريكي من الداخل.
ورغم أن الجيش الفنزويلي يعاني من ضعف في تدريب الأفراد والمعدات (التي غالبًا ما تعود إلى الحقبة السوفيتية)، فإنهم يعتمدون على تكتيك الحرب غير التقليدية لصد الهجوم. العديد من الخبراء العسكريين يرون أن الجيش الفنزويلي لن يكون قادرًا على مقاومة القوة الأمريكية التقليدية، ولكن ربما يمكنه إبطاء تقدم القوات الأجنبية عبر أساليب حرب العصابات.
الآفاق الجيوسياسية: هل الإطاحة بمادورو ستغير شيء؟
حتى إذا تم الإطاحة بمادورو من السلطة، فإن السؤال الكبير يبقى: ما الذي سيحدث بعد ذلك؟ العديد من المحللين العسكريين يعتقدون أن الإطاحة به قد لا تؤدي إلى استقرار سياسي في فنزويلا. ففي حال حدوث هذا، من المحتمل أن يتم استبداله بنظام ديكتاتوري جديد أو انقلاب عسكري. يعتقد الخبراء أنه لا يمكن لواشنطن الاعتماد على المعارضة الفنزويلية كبديل مستقر لمادورو، وأن التدخل العسكري الأمريكي سيكون طويل الأمد إذا كان سيؤدي إلى تغيير فعلي في السلطة.
ومع استمرار واشنطن في سياستها الموجهة ضد مادورو، يبقى من غير الواضح ما إذا كانت الولايات المتحدة مستعدة لبذل الموارد اللازمة لدعم حكومة جديدة في فنزويلا، خاصة وأن ذلك يتطلب وجودًا عسكريًا أمريكيًا طويل الأمد على الأرض.
الحسابات الأمريكية والفنزويلية
بالرغم من أن ترامب أكد أن الهدف هو محاربة تهريب المخدرات في فنزويلا، فإن الكثير من المراقبين يعتقدون أن الدافع الحقيقي وراء التصعيد العسكري في فنزويلا هو محاولة الإطاحة بحكومة مادورو، التي تُعتبر حجر الزاوية في النظام البوليفاري الاشتراكي في البلاد. في ظل هذه التوترات، فإن المنطقة قد تشهد تطورات أكبر خلال الأشهر القادمة، ما قد يؤدي إلى تغيير في شكل العلاقات بين أمريكا وفنزويلا وربما تداعيات على الاستقرار الإقليمي.

