لا حاجة لطاولات جديدة.. لبنان يحتاج إلى دولة واحدة

منى فياض
لبنان اليوم يحتاج إلى دولة واحدة، لا إلى طاولات متوازية. يحتاج إلى قرار واحد للسلم والحرب، لا إلى تعدّد البنادق. ويحتاج قبل كل شيء إلى إرادة أبنائه الذين دفعوا أثماناً باهظة ليتعلّموا أن الحوار بلا مساواة، ليس حواراً بل تغطية للهيمنة.

بين السلاح غير الشرعي والمبادرات الشكلية، أي حوار خارج المؤسسات يكرّس الواقع القائم ويضيّع الوقت.

منذ أكثر من عقد ونصف، واللبنانيون يشهدون طاولات حوار تتوالى بين بيروت وبعبدا وعين التينة، تدّعي التوصل لحلّ، لكنها لم تنتج سوى القرارات الورقية والوعود التي لا تُنفَّذ. تظهر التجارب أنّ أي محاولة لإعادة طاولة حوار اليوم، في ظل وجود السلاح غير الشرعي والدعم الإقليمي، قد تتحوّل إلى نسخة لبنانية من ما يُعرف تاريخياً بـ”إللويا جرغا”.

لقد انتقل اللبنانيون منذ عام 2006، من طاولة حوار إلى أخرى: طاولة في مجلس النواب، وأخرى في بعبدا، وثالثة في عين التينة. تحت عناوين كبرى: السلاح غير الشرعي، الاستراتيجية الدفاعية، السلم الأهلي، أو الإنقاذ الاقتصادي. لكن النتيجة كانت واحدة: تضييع الوقت، وتبخّر القرارات، بينما يستمر حزب الله ومعه حركة أمل في فرض الوقائع على الأرض، متجاوزين أي التزامات يوافقون عليها في القاعة.

إقرأ أيضا: خطة الجيش: منع أي سلاح ظاهر تحت أي مسمى كان مقاومة أو سواها.. والاعتراض الشيعي ورقة ضغط لا أكثر

تجربة اللبنانيين تشبه في هذا السياق الجرغا التقليدية في أفغانستان وباكستان، والتي تعني تجمع شيوخ القبائل لحل النزاعات واتخاذ قرارات جماعية. كانت الجرغا تمنح شعوراً بالمساواة والشرعية، لكنها في كثير من الأحيان مجلس شكلي: القرارات يمكن تجاهلها إذا تعارضت مع مصالح القوى الفعلية، وكانت وسيلة لشراء الوقت وتجميل المفاوضات، تماماً كما لاحظ البريطانيون خلال احتلالهم لأفغانستان. الباحثون البريطانيون أطلقوا على هذه الظاهرة لاحقًا مصطلح إللويا جرغا: مجلس يبدو أنه يقرر، لكن القرار النهائي يظل تحت سيطرة القوة الفعلية.

يجب أن يعرف اللبنانيون أن أي حوار لا يُلزم حزب الله ولا يضعه أمام مسؤولياته العلنية، لن يكون سوى تكراراً لتجارب الماضي. لبنان لا يستطيع تحمّل رفاهية الانتظار مجدداً، ولا يمكن أن يبقى رهينة ورقة تفاوض بيد إيران تستخدمها متى شاءت

وهذا ما نراه بالضبط اليوم في طاولات الحوار اللبنانية: طاولة مستديرة يُزعم انها على غرار طاولة الفرسان المستديرة التي سبقت المؤسسات التمثيلية الشرعية في بريطانيا، وتتطلب المساواة بين جميع الفرسان؛ الأمر غير المتوفر في لبنان، فهي لا تُظهر حوارا أو مساواة الا في الشكل، لأن أحد الأطراف يمتلك السلاح والسيطرة على الأرض والدعم الإقليمي، مما يحوّل أي اتفاق محتمل إلى مجرد ستار لتثبيت الواقع القائم وشراء الوقت.

تجربة اللبنانيين مع هذه الطاولات واضحة:

2006 – 2008: حوار انتهى إلى أحداث 7 أيار وفرض تسوية الدوحة تحت ضغط السلاح.

2009 – 2012: حوار الاستراتيجية الدفاعية أفرز “إعلان بعبدا” الذي وُئد في الميدان السوري.

2014 – 2016: حوار عين التينة لم يقدّم سوى تبريد موقت للاحتقان خلال الشغور الرئاسي.

2019 – 2021: طاولات بعبدا الاقتصادية تحوّلت إلى أوراق بلا تنفيذ، لأن القرار الفعلي بقي خارج الدولة.

واليوم، يطرح الرئيس نبيه بري مجدداً فكرة الطاولة، بمناسبة ذكرى تغييب الإمام موسى الصدر. لكن ما تغيّر هذه المرّة أنّ للدولة عهداً جديداً، ورئاسة أعلنت بوضوح أن لا سيادة بلا حصرية السلاح، وحكومة أقرّت بياناً وزارياً واضحاً. من هنا، تصبح الدعوة إلى طاولة جديدة محاولة واضحة لإجهاض مسار الدولة وتعليق قراراتها، ريثما تتبدّل التوازنات أو تقترب الانتخابات.

إقرأ أيضا: جلسة «الثالثة الثابتة»…تثبيت المسار السيادي ومراعاة الهواجس الشيعية

المطلوب اليوم ليس طاولة إضافية، بل التزام بسيط: العودة إلى المؤسسات. الحوار يجب أن يتم في مجلس النواب حيث تُشرَّع القوانين، وفي مجلس الوزراء حيث تُتخذ القرارات التنفيذية. هنا فقط يمكن أن يكتسب أي اتفاق قوة الإلزام والشرعية. أما الطاولات الجانبية فهي لا تنتج إلا تبديد الوقت والالتفاف على الدستور وتعريض لبنان الى المزيد من جولات الحرب والعنف.

ولذلك، فإن الردّ على مبادرة الرئيس بري يجب أن يكون واضحًا وصريحًا:

نحن مع الحوار، لكن داخل المؤسسات الدستورية لا خارجها.

نحن مع التفاهم، لكن على أساس واحد: تنفيذ ما التزمت به الحكومة في بيانها الوزاري، أي حصرية السلاح بيد الجيش اللبناني.

فلنُعطِ الدولة حقّها، ولنضع حداً لدوامة الطاولات. فلبنان لن ينهض بطاولة جديدة، بل بمؤسسات تحكم وتنفّذ وتستعيد سيادتها كاملة.

نحن مع الوقت، لكن ليس الوقت الضائع. يجب أن يكون لأي مسار جدول زمني واضح، ومؤشرات علنية، بحيث يُحاسَب من يخرق أو يعطّل.

أكثر من ذلك، يجب أن يعرف اللبنانيون أن أي حوار لا يُلزم حزب الله ولا يضعه أمام مسؤولياته العلنية، لن يكون سوى تكراراً لتجارب الماضي. لبنان لا يستطيع تحمّل رفاهية الانتظار مجدداً، ولا يمكن أن يبقى رهينة ورقة تفاوض بيد إيران تستخدمها متى شاءت.

المطلوب اليوم ليس طاولة إضافية، بل التزام بسيط: العودة إلى المؤسسات. الحوار يجب أن يتم في مجلس النواب حيث تُشرَّع القوانين، وفي مجلس الوزراء حيث تُتخذ القرارات التنفيذية

الردّ على دعوة الحوار إذن ليس بالرفض المطلق، بل بالتشديد على القاعدة البسيطة: لا طاولة خارج الدولة، ولا مساواة بوجود سلاح غير شرعي، ولا معنى لأي اتفاق ما لم يُنفَّذ في المؤسسات وتحت سقف الدستور.

لبنان اليوم يحتاج إلى دولة واحدة، لا إلى طاولات متوازية. يحتاج إلى قرار واحد للسلم والحرب، لا إلى تعدّد البنادق. ويحتاج قبل كل شيء إلى إرادة أبنائه الذين دفعوا أثماناً باهظة ليتعلّموا أن الحوار بلا مساواة، ليس حواراً بل تغطية للهيمنة.

فلنُعطِ الدولة حقّها، ولنضع حداً لدوامة الطاولات. فلبنان لن ينهض بطاولة جديدة، بل بمؤسسات تحكم وتنفّذ وتستعيد سيادتها كاملة.

السابق
جلسة «الثالثة الثابتة»…تثبيت المسار السيادي ومراعاة الهواجس الشيعية
التالي
إشكال مسلّح في سوق ذهب البربير: قتيل وجريحان في صفوف التجار!