جلسة استثنائية جديدة تضاف إلى سجل الجلسات الحكومية السيادية بعد جلستي 5 و7 آب، وتأتي الجلسة الأخيرة في لحظة مفصلية لإعادة تثبيت سلطة الدولة، بعد عقود من التراجع أمام قوى الأمر الواقع.
الأولى وضعت المبدأ: السلاح يجب أن يكون حصريًا بيد الدولة. الثانية ذهبت أبعد: تبني خطة الجيش لتطبيق هذا القرار، بما يعني بداية مسار عملي لانتزاع “الشرعية العسكرية” من القوى غير النظامية.
وأشارت صحيفة “نداء الوطن” أنه ضمن خطة الجيش التي أقرّت أمس، والتي سيبدأ تنفيذها فورًا، أنه لن يكون هناك سلاح ظاهر بعد الآن، حيث سيمنع الجيش أي سلاح ظاهر تحت أي مسمى كان، مقاومة أو سواها، وفي كل المناطق اللبنانية، وستشمل الخطة كل الأحزاب من دون أي استثناء .
إقرأ أيضا: سلام: لا تراجع عن قرارات حصر السلاح… وبرّي: الرياح السامة بدأت تنجلي
خطة الجيش: أكثر من برنامج أمني
أقرت الحكومة خطة من أربع مراحل متدرجة:
1. المرحلة الأولى: نزع السلاح جنوب الليطاني خلال ثلاثة أشهر وضبط الحدود ومنع حركة السلاح غير الشرعية.
2. المرحلة الثانية: منطقة ما بين الليطاني ونهر الأولي.
3. المرحلة الثالثة: بيروت والضاحية الجنوبية.
4. المرحلة الرابعة: البقاع وسائر المناطق.
وسيقدّم الجيش تقارير شهرية عن التقدّم، لكن وزراء “القوات اللبنانية” تحفظوا على غياب مهَل زمنية واضحة للمراحل اللاحقة.
والخطة المقرّة من أربع مراحل ليست مجرد توزيع جغرافي لضبط السلاح. هي خريطة طريق تعكس قرارًا سياسيًا استراتيجيًا: استعادة السيطرة على الأرض تدريجيًا، بدءًا من الجنوب، مرورًا ببيروت والضاحية، وصولًا إلى البقاع. الرسالة هنا أن الدولة تريد أن تنتقل من “الرمزية” إلى “الفعل”، وأن الجيش لم يعد شاهدًا بل طرفًا فاعلًا يرفع تقارير شهرية ويُحاسَب على التنفيذ.
الاعتراض الشيعي: ورقة ضغط لا أكثر
انسحاب وزراء “الثنائي” من الجلسة يعكس ذروة الاعتراض، لكنه لم يصل إلى حد الاستقالة. هذا بحد ذاته مؤشر على أن “حزب الله” و”أمل” لا يريدان تفجير الحكومة بل يكتفيان بإرسال رسالة اعتراض. السبب بسيط: أي مواجهة مفتوحة ستضع الحزب في مواجهة مباشرة مع الداخل والخارج في وقت واحد، وهو ما يسعى إلى تجنبه.
وقالت مصادر رسمية لصحيفة “نداء الوطن” أن حجم الاعتراض السياسي الشيعي بلغ الذروة بالانسحاب من الحكومة، ولا استقالة منها. لكن يجب رصد فعل “حزب الله” و”أمل” في الشارع وما سيبلغه حجم التصعيد، خصوصًا أن مواقف إيران التصعيدية تنعكس على مواقف “الحزب” وسط تأكيد على منع أي فتنة. وشددت المصادر على حزم الحكومة وجديتها في المضي قدمًا في خطة حصر السلاح ولا مساومة في هذا الموضوع مهما بلغ حجم التهويل والتهديد.
إقرأ أيضا: 6 خيارات ميدانية لـ«الحزب» في المواجهة مع الحكومة بعد نهاية سلاحه «رسمياً»!
لكن ذلك لا يلغي خطورة التصعيد الميداني المحتمل، خصوصًا أن الموقف الإيراني يتشدد، ما يعني أن الحزب قد يلجأ إلى الشارع كورقة ضغط، من دون الذهاب إلى حد الفتنة.
واشنطن: بين الدعم والضغط
الموقف الأميركي كان لافتًا: ترحيب بخطة الجيش واعتبارها إنجازًا، لكن مع إشارة واضحة إلى ضرورة تحديد أطر زمنية. الرسالة مزدوجة: دعم معنوي وميداني للجيش، مقابل ضغط للإسراع في التنفيذ.
وأمام ذلك ستحمل الزيارات المرتقبة لمسؤولين أميركيين بُعدًا عمليًا جديدا، دعم لوجستي وعسكري للجيش، وإحياء آلية “الميكانيزم” مع إسرائيل، بما يعني إدارة الاشتباك الحدودي بشكل أكثر تنظيمًا. أي أن واشنطن تريد أن تجعل من نجاح الجيش مدخلًا لإعادة ترتيب قواعد اللعبة مع تل أبيب أيضًا.
وأشارت مصادر أميركية تعليقًا على قرار مجلس الوزراء اللبناني أمس إلى أن إقرار خطة الجيش هي إنجاز للبنان، وأكدت بشكل واضح أنها تتطلع إلى البنود الزمنية للخطة وتترقب تنفيذها السريع. ولفتت المصادر إلى أن واشنطن تدعم الجيش وتسانده وأن زيارة الموفدة الأميركية مورغان أورتاغوس وقائد القيادة المركزية الأميركية الأدميرال براد كوبر المرتقبة تصبّ في هذه الخانة. وعلمت “نداء الوطن” أن زيارة الوفد ستتضمن جولة ميدانية.
وأكدت المعلومات أن الزيارة ستكون عملانية عسكرية، فمن ناحية ستقف على احتياجات الجيش من أدوات لتفعيل عمله، ومن ناحية أخرى ستعمل على إحياء آلية وقف الأعمال العدائية المعروفة بالـ “ميكانيزم” والتي ستسمح بمزيد من التعاون بين لبنان وإسرائيل لجهة التخفيف من الاعتداءات الإسرائيلية ودفع إسرائيل إلى القيام بخطوات موازية بانسحابها وتسليم الجيش اللبناني.
حزب الله: خسارة سياسية متراكمة
المشهد الأبرز أن “حزب الله” خسر في مجلس الوزراء كما خسر ميدانيًا سابقًا. لم يعد قادرًا على فرض فيتو على قرارات الحكومة، ولا على تهديد الرؤساء والوزراء. الانسحاب لم يعد ورقة ضغط حقيقية، بل مجرد تسجيل موقف.
الأهم أن “الميثاقية” التي يلوّح بها الحزب لم تعد سلاحًا فعّالًا، بعدما أكد رئيس الحكومة والمفتي أن لا شرعية لوجود جيشين في لبنان. الحزب محاصر سياسيًا: لا يجرؤ على الاستقالة كي لا يظهر كمعطّل للدولة، ولا يستطيع منع القرارات الحكومية.
وتقول أوساط سياسية متابعة، إن أهم ما حصل هو أن جلسة مجلس الوزراء أمس، عُقدت بعدما كان “حزب الله” يرفض انعقادها. كما أن خطة الجيش عرضت وأقرّت بعدما كان “الحزب” يرفض عرضها. ورأت أن “حزب الله”، “خرج للمرة الثانية من مجلس الوزراء ومن المعركة السياسية الوطنية خاسرًا بعدما خسر عسكريًا وذلك في ظل إصرار الحكومة. ولم يعد بإمكانه السيطرة على مفاصل الحكومة أو التأثير بتهديد رئيسَي الجمهورية والحكومة والوزراء، وبات خروج وزراء “الثنائي” أو بقاؤهم لا يقدم ولا يؤخر.
على الرغم من إقرار الخطة، ما زال “الحزب” يردد أنه لن ينسحب من الحكومة، وخروج وزرائه من الجلسة كان فقط لتسجيل موقف معارض تحت ما يسمى ميثاقية، علمًا أن الميثاقية هي مسيحية إسلامية ولا يحق لمكوّن أن يضع فيتو على قرارات حكومية. وقد أكد رئيس الحكومة نواف سلام أن لا استثمارات ولا غيرها في ظل وضع قال فيه مفتي الجمهورية لا لجيشين في لبنان. إن أقصى ما يستطيع “الحزب” فعله هو الخروج من الجلسة أو تسيير الدراجات النارية ضمن نطاق جغرافي محاصر ومحدد”.
إقرأ أيضا: لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي: نشيد بقرار الحكومة اللبنانية بشأن نزع السلاح
ولفتت الأوساط إلى “أن الكلام عن مدة زمنية موجود أساسًا في قرار مجلس الوزراء في 5 آب الذي يترك للجيش ليقدّر الموقف. وقد أصبحت المسألة عند الجيش وهي ستمضي في مسار تصاعدي وهو مسار الدولة الذي انطلق”.
بداية مسار لا عودة عنه
القرار السياسي اتُخذ، والجيش بات في الواجهة. صحيح أن التحديات كبيرة، من الشارع الشيعي إلى التوازنات الإقليمية، لكن المسار بدأ ولن يتوقف بسهولة. لبنان أمام فرصة لإعادة ترسيم سلطته، والجيش أمام امتحان تاريخي لإثبات أنه قادر على أن يكون القوة الوحيدة الشرعية على الأرض.

