لم تحمل جلسة مجلس الوزراء الثالثة المخصّصة لملف “حصرية السلاح” أمس، خرقاً نوعياً كما كان متوقّعاً، لكنها أرسَت مقاربة مختلفة عمّا سبقها في 5 و7 آب. فالمجلس تبنّى خطة قيادة الجيش التي عرضها العماد رودولف هيكل، لكن من دون الإفصاح عن تفاصيلها، مع الإبقاء على مضمونها ومداولاتها سريّة، وهو ما فُسِّر كمحاولة لتخفيف التوتّر السياسي الذي سبق الجلسة.
فالخطة لم تُلزم نفسها بمهلة زمنية محدّدة، بخلاف قرار 5 آب الذي طالب باستكمال الحصر قبل نهاية العام، ما فتح باب التأويلات حول نوايا الحكومة وقدرتها على التنفيذ.
انسحاب الوزراء الشيعة… ورسالة بري
المشهد المألوف تكرّر بانسحاب الوزراء الشيعة الخمسة عند بدء عرض الخطة. لكن المختلف كان في **ردّة فعل رئيس مجلس النواب نبيه بري** الذي وصف الصيغة الجديدة بـ”المرنة”، ورحّب بخطة الجيش، معتبراً أنها واقعية لأنها لم تربط التنفيذ بجدول زمني صارم، بل بشروط ميدانية أبرزها وقف الاعتداءات الإسرائيلية.
ولعل اللافت كان موقف بري الحازم ضد أي تحرك شعبي يهدّد الاستقرار، إذ أعلن: *”أنا ضد أي حراك في الشارع، ولو اقتضى الأمر أن أنزل شخصياً لمواجهته”*. هذا الموقف بدا بمثابة إشارة واضحة لاحتواء الشارع الشيعي ومنع تفلّت الأزمة.
موقف الحكومة ورئيسها
من جهته، حاول رئيس الحكومة نواف سلام تثبيت خطّ السيادة، فكتب على منصة “أكس”: *”رحبنا في مجلس الوزراء بخطة الجيش لحصر السلاح على كامل الأراضي اللبنانية وتنفيذها ضمن الإطار المقرر في جلسة 5 آب، وطلبنا تقريراً شهرياً من قيادة الجيش”*.
كذلك شدد وزير الدولة بول مرقص على أنّ الحكومة لم تقدّم أي تنازل، وأن الهدف الجوهري يبقى إعادة بناء الدولة وبسط سلطتها على كامل أراضيها. لكنه أقرّ ببطء المسار، قائلاً إنّ “الخطوات الأولى لم تُصحّح بعد”.
تفاصيل الخطة: مراحل جغرافية وتقييدات
مصادر وزارية أوضحت أنّ الخطة تقوم على خمس مراحل جغرافية تبدأ من جنوب الليطاني خلال ثلاثة أشهر، لتشمل لاحقاً بيروت والبقاع وسائر المناطق. أما في ما خصّ سلاح “حزب الله”، فالمراحل اللاحقة اكتفت بعبارة “احتواء السلاح” أي منع حمله وتنقله، من دون تحديد مصير المخازن.
الجيش بدوره أشار إلى “تقييدات” لوجستية وميدانية تواجه التنفيذ، داعياً إلى دعم دولي مباشر لتأمين متطلبات الخطة. وقد كشف عن تعهدات أولية من بعض الدول بتقديم مساعدات عسكرية ولوجستية.
البعد الإقليمي والدولي
البيان الوزاري ربط التنفيذ الكامل للخطة بوقف الأعمال العدائية وفق القرار 1701، مشدداً على أنّ لبنان التزم من طرف واحد بخطوتين أساسيتين: إقرار أهداف ورقة الموفد الأميركي توماس براك، وتحضير الجيش لخطة شاملة لبسط السيادة. في المقابل، لم تُبدِ إسرائيل أي تجاوب، ما أبقى الخطة رهينة التوازنات الإقليمية.
الورقة الأميركية نصّت على مبدأ “تلازم وتزامن الخطوات” بين لبنان وإسرائيل وسوريا، لكن بيروت مضت في خطواتها الداخلية رغم غياب التزامات مقابلة، وهو ما يضع التنفيذ في خانة “المشروط” بقرار تل أبيب ووقف خروقاتها.
ارتياح سياسي وتحفّظات معارضة
النائب غسان حاصباني رأى أنّ ما حصل يتماشى مع التوقّعات، لكنه شدّد على ضرورة تحديد مهلة زمنية واضحة للمراحل بعد الأشهر الثلاثة الأولى. أمّا “القوات اللبنانية”، فتحفّظت على غياب السقف الزمني، معتبرة أنّ التقرير الشهري للجيش هو الآلية التعويضية.
في المقابل، أبدى “حزب الله” عبر محمود قماطي ارتياحه، معتبراً أنّ الجلسة شكّلت فرصة للعودة إلى “الحكمة والتعقّل” وتجنّب الانزلاق إلى المجهول.
تثبيت المسار مع مراعاة الواقع
الجلسة الثالثة يمكن وصفها بـ”الثابتة” لأنها ثبّتت مسار السيادة ولم تتراجع عنه، لكنها حملت أيضاً ملامح مراعاة واضحة للفريق الشيعي عبر اعتماد السرية، وتجنّب التوقيت الصارم، وربط التنفيذ بالتزامات إسرائيل.
والنتيجة ان الحكومة أطلقت المسار عملياً، والجيش بات في الواجهة، فيما يبقى نجاح الخطة رهن الدعم الدولي وتوازنات الداخل والخارج.
اقرا ايضا: سلاح الحزب..من حماية لبنان إلى عزل الشيعة!

