الشرع وعون.. والمسار الإسرائيلي المشترك

عون والشرع

خيّم صمت لافت في لبنان غداة المقابلة التي أجرتها قناة “الجزيرة” التلفزيونية القطرية مع الرئيس السوري أحمد الشرع نهاية الأسبوع الماضي. وتمثّل هذا الصمت عند جهتين أساسيتين هما: الدولة و”حزب الله”. وهاتان الجهتان هما من وجّه الرئيس الشرع رسائل مباشرة إليهما، بشكل لم يسبق له مثيل منذ أن تولّى الشرع السلطة في بلاده في نهاية العام 2024.

تتعدد التكهنات حيال هذا الصمت على المستوى اللبناني، لكنها تزامنت مع معلومات ومقالات في المنطقة أشارت إلى أن مرحلة جديدة انطلقت لملاقاة ما يجري من أحداث، وبخاصة الحرب الإسرائيلية على “حزب الله”، وهي حرب تبدو في حالة هدنة قد تسقط في أي لحظة في ظل الحرب الأميركية – الإيرانية التي لم تنته بعد.

رسائل الشرع إلى لبنان

وصف كثيرون من المتابعين للملف اللبناني ما صرّح به الرئيس السوري بأنه يستحق المتابعة. وحملت مواقف الأخير ما يشبه جدول أعمال يمكن تقصّيه في العبارات الآتية:

* “إن غالب حدود لبنان البرية مع سوريا، وما يصيب لبنان يصيب سوريا.

* نحن دائماً بين خيارين: إما أن يكون هناك احتلال إسرائيلي، أو أن تكون حرب أهلية.

* نحاول أن نبحث مع الحكومة اللبنانية عن جملة من الحلول التي قد تذهب بلبنان إلى برّ الأمان، وأن يستفيد لبنان من حالة النهضة السورية الحاصلة حالياً، وحالة الإقبال على سوريا، بأن يكون جزءاً من هذا الإصلاح الشامل الذي يحصل في المنطقة.

* لدينا تخوّف كبير من انفجار الوضع داخل لبنان، لأن ذلك سينعكس علينا بشكل سلبي.

* فكرة أن يبقى هناك أناس يحملون السلاح خارج سلطة الدولة أظهرت نتائج سلبية وكارثية على المنطقة.

* إن “حزب الله” شارك خلال 14 سنة النظام في الحرب الهمجية على الشعب السوري، وتسبّب بتهجير وقتل عدد كبير من الناس، وإلى اليوم يحمل السلاح وينتشر على الحدود السورية – اللبنانية.

* ما معنى أن يكون “حزب الله” خارج سلطة الدولة عندما يدخل إلى سوريا ثم يذهب إلى لبنان، فيصبح جزءاً من الدولة اللبنانية؟ فإما أن يكون الدولة فيتحمل مسؤولية الدولة اللبنانية، وإما ألا يكون دولة فيتحمل أصحاب القرار المسؤولية.

* هناك أيضاً اتفاقيات هشة يظهر عدم جدواها بعد شهرين من توقيعها، ونحتاج إلى حلول واقعية وعملية لكل هذه المشكلات. والحل يجب أن يكون شاملاً في قطاعات اقتصادية وسياسية وخدمية، وليست كل الحلول أمنية وعسكرية.

* كل ما يجري الحديث عنه، تحاول الدولة السورية تمكين الدولة اللبنانية من الوفاء بالالتزامات التي قطعتها على نفسها.

* سوريا لديها عدة أوراق، وسنقدمها إلى الدولة اللبنانية فتتصرف بها كما تشاء.

* إن الاتفاق بين لبنان وإسرائيل مسار مختلف تماماً عن سوريا”، معرباً عن “عدم تفاؤله بنجاح هذا الاتفاق لكثرة الثغرات فيه”.

* “إننا نحاول الوصول إلى اتفاق أمني (مع إسرائيل)، فإذا نجح الاتفاق الأمني والتزمت به إسرائيل، فهذا يؤهل لمرحلة ثانية من سلام شامل، دون التنازل عن أحقية سوريا في الجولان المحتل.”

زيارة رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام إلى بغداد لم تكن مجرد محطة ثنائية بين لبنان والعراق، بل جاءت ضمن ترتيبات إقليمية أوسع هدفت إلى إدخال لبنان في مشاريع الربط الاقتصادي

القراءة الإسرائيلية لمواقف الشرع وعون

سارع الإعلام الإسرائيلي إلى متابعة المواقف الجديدة أو المستجدة للرئيس السوري. ونشرت صحيفة “جيروزاليم بوست” تحليلاً حمل عنوان: “تشير سوريا ولبنان إلى اهتمامهما بترتيبات أمنية مع إسرائيل قبل اتفاقيات السلام الكاملة، ما يفضي إلى مسار أبطأ وأكثر حذراً نحو الاستقرار الإقليمي”.

وجاء في التحليل، الذي كتبه هيرب كينون:

“قال الرئيس السوري أحمد الشرع في مقابلة مع قناة الجزيرة يوم الأحد إنه يعمل على التوصل إلى ترتيب أمني مع إسرائيل قد يؤدي في النهاية إلى اتفاق سلام شامل. هذه هي الأخبار الجيدة. الخبر الأقل إيجابية هو أن مثل هذا السلام سيحدث “دون المساس بحق سوريا في الجولان المحتل”. وبالنظر إلى أن أي حكومة إسرائيلية في المستقبل المنظور من المرجح ألا تفكر في التنازل عن الجولان – خاصة في ظل الفوضى وعدم الاستقرار المستشريين في سوريا – فإن اتفاق السلام المشروط بانسحاب إسرائيل من المرتفعات يبدو بعيد المنال… لكن هذا لا يجعل تصريح الشرع غير مهم، حتى لو كان قد أدلى به من قبل. تكمن أهميته في عدم احتمال حصول اتفاق سلام وشيك بين إسرائيل وسوريا، وأكثر ما يبدو أن الشرع مستعد للتفكير فيه: ترتيب أمني مع إسرائيل يمكن أن يثبت الحدود، ويقلل من احتمال الحرب، وربما يخلق ظروفاً لشيء أكثر طموحاً في المستقبل.”

ويضيف تحليل الصحيفة الإسرائيلية:

“تشبه تصريحات الشرع إلى حد كبير تلك التي أدلى بها الرئيس اللبناني جوزاف عون في واشنطن الأسبوع الماضي. أشاد عون باتفاق إطار حديث وُقّع مع إسرائيل، وقال إن هدفه النهائي هو إنهاء حالة العداء بين لبنان وإسرائيل إلى الأبد. كما تحدث عن ترتيبات أمنية طويلة الأمد مع إسرائيل بدلاً من اتفاق سلام فوري وكامل. وعند جمع هذه التصريحات، تشير إلى ما قد يكون نهجاً إقليمياً ناشئاً: بدلاً من محاولة القفز دفعة واحدة من عقود من العداء إلى السلام الرسمي، يجب التحرك تدريجياً نحو شرق أوسط أكثر استقراراً من خلال وضع ترتيبات أمنية أولاً.”

وخلصت “جيروزاليم بوست” إلى القول:

“لم يعد قادة لبنان وسوريا يتحدثون عن الحرب مع إسرائيل كأمر أيديولوجي، بل ينظرون إلى العلاقات مع إسرائيل من منظور عملي… ومع ذلك، من غير المرجح أن تنسحب إسرائيل بالكامل من أي من المناطق العازلة في سوريا أو لبنان حتى تتأكد من أن الشرع وعون قد وسّعا سيطرتهما في جميع بلديهما، ويمكن الاعتماد عليهما لمنع أي من البلدين من التراجع إلى وضع يمكن فيه استخدام أراضيهما مرة أخرى كمنصة انطلاق لهجمات على الدولة اليهودية. وهذا النوع من الثقة سيستغرق سنوات لبنائه.”

قال الرئيس السوري أحمد الشرع في مقابلة يوم الأحد إنه يعمل على التوصل إلى ترتيب أمني مع إسرائيل قد يؤدي في النهاية إلى اتفاق سلام شامل.

الرؤية السورية… من الوصاية إلى الشراكة

في المقابل، وتحت عنوان “من الوصاية إلى الشراكة… كيف تعيد سوريا وتركيا رسم مستقبل لبنان؟” كتب صهيب جوهر في موقع “تلفزيون سوريا” الإلكتروني:

“اكتسبت تصريحات الرئيس السوري أحمد الشرع الأخيرة أهمية خاصة. فهي للمرة الأولى ترسم بوضوح ملامح السياسة السورية الجديدة تجاه الملفين الإسرائيلي واللبناني. فمن جهة، فتح الشرع الباب أمام إمكانية الوصول مستقبلاً إلى اتفاق سلام مع إسرائيل، لكن عبر مدخل الاتفاق الأمني أولاً، مع التشديد على عدم التخلي عن الحقوق السورية في الجولان المحتل. ومن جهة ثانية، أعاد التأكيد بصورة لا تحتمل التأويل أن سوريا ليست في وارد التدخل العسكري في لبنان، وأن الحل الوحيد يكمن في التعاون مع الدولة اللبنانية لمعالجة الملفات السياسية والأمنية والاقتصادية بصورة متكاملة… لا يعني رفض التدخل العسكري أن سوريا تخلت عن لبنان أو لم تعد تعتبره جزءاً من أمنها القومي. على العكس، يظهر من تصريحات الشرع أن دمشق تنظر إلى استقرار لبنان باعتباره جزءاً من استقرار سوريا نفسها. ولذلك فإن تحذيره من انعكاسات الفوضى اللبنانية على الداخل السوري لم يكن تهديداً بالتدخل، بل إعلاناً بأن أمن البلدين أصبح مترابطاً، وأن منع الانهيار يجب أن يتم عبر التعاون بين الحكومتين، لا عبر الوصاية أو القوة العسكرية.”

مشروع إقليمي يتجاوز الأمن

وخلص المقال إلى القول:

“إن هذا المسار لا يمكن فصله عن التحول الإقليمي الأكبر الذي تقوده تركيا، فأنقرة لم تعد تنظر إلى لبنان باعتباره مجرد ساحة سياسية على شرق المتوسط، بل باتت تعتبره جزءاً من مشروع إقليمي واسع يمتد من الخليج إلى العراق فسوريا وصولاً إلى البحر المتوسط. وهذا المشروع يقوم على إعادة ربط المنطقة اقتصادياً عبر شبكات الطاقة والسكك الحديدية والمرافئ والمناطق الصناعية، باعتبار أن المصالح الاقتصادية أصبحت المدخل الأكثر استدامة لتحقيق الاستقرار السياسي والأمني.

ولهذا السبب، فإن الحراك الدبلوماسي الذي شهدته الأسابيع الأخيرة لا يبدو منفصلاً عن هذا التصور. فزيارة رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام إلى بغداد لم تكن مجرد محطة ثنائية بين لبنان والعراق، بل جاءت ضمن ترتيبات إقليمية أوسع هدفت إلى إدخال لبنان في مشاريع الربط الاقتصادي التي يجري العمل عليها بين العراق وسوريا وتركيا ودول الخليج. وتشير المعطيات إلى أن أنقرة لعبت دوراً مهماً في تنسيق هذه الزيارة بالتعاون مع المبعوث الأميركي توماس باراك، في إطار رؤية أوسع تقوم على دمج لبنان في منظومة الربط النفطي والغازي والسككي الجاري الإعداد لها في المشرق.”

لا يعني رفض التدخل العسكري أن سوريا تخلت عن لبنان أو لم تعد تعتبره جزءاً من أمنها القومي. على العكس، يظهر من تصريحات الشرع أن دمشق تنظر إلى استقرار لبنان باعتباره جزءاً من استقرار سوريا نفسها.

بين مسارين… إلى أين يتجه لبنان؟

تفيد المعطيات المشار إليها آنفاً بأن هناك ضوءاً يلوح في نهاية نفق الأزمة اللبنانية. فهل ينسجم هذا الانطباع مع الواقع المعقّد؟

لا توحي طبول الممانعة، من الضاحية الجنوبية لبيروت إلى طهران مروراً بميليشيات إيران في العراق وجحافل الحوثي في صنعاء، بأن هناك مساراً آخر لعبور لبنان وسوريا مستنقع الحروب. لكن هذه الطبول ليست وحدها من تُقرع. وبدا، مما صرّح به الشرع، أن هناك أصواتاً أخرى تتردد أصداؤها في لبنان كي ينهض لبنان من هاوية العدم.

وعند إعداد المقال، كانت الترتيبات تنطلق، وفق ما أعلنت وزارة الخارجية الأميركية، لعقد الجولة المقبلة من المحادثات بين إسرائيل ولبنان في العاصمة الإيطالية روما، خلال الفترة الممتدة من 4 إلى 6 آب المقبل.

إن هناك سباقاً جارياً بين مشروعين يقودان العربة في اتجاهين متعاكسين… فلمن ستكون الغلبة؟

السابق
بالفيديو: مركز إسرائيلي يزعم.. حزب الله عاد إلى زوطر الغربية وهذا هو الدليل
التالي
الصحف الإيرانية: رسالة المرشد ترهن التسوية بلبنان والحرس الثوري يهدد أمن الطاقة