الملخص التنفيذي
تنطلق هذه الدراسة من فرضية أساسية مفادها أن جودة التعليم تبدأ من جودة المعلم — اختيارًا وإعدادًا وتدريبًا وتقويمًا ومسارًا مهنيًا — وأن لبنان، بوصفه بلدًا يعتمد على رأس ماله البشري أكثر من موارده الطبيعية، لا يملك ترف إهمال هذا الشرط.
تشخّص الدراسة خللًا بنيويًا في التوظيف التربوي اللبناني، حيث تحوّل التعاقد بالساعة من إجراء استثنائي إلى قاعدة شبه دائمة. ففي الجامعة اللبنانية يقارب عدد المتعاقدين ضعف أساتذة الملاك والمتفرغين البالغ عددهم نحو 1600، وفي التعليم الأساسي توقفت دورات التثبيت منذ عام 2010، بينما تراجعت نسبة أساتذة التعليم الرسمي إلى نحو 39.9% في العام الدراسي 2022/2023. وقد ضاعفت الأزمة الاقتصادية وموجة الهجرة هذا الخلل حتى فرغت أقسام جامعية بأكملها من أساتذتها.
وتستند الدراسة إلى التجربة السنغافورية، حيث يُنتقى المعلمون من الثلث الأعلى من كل دفعة عبر مؤسسة وطنية واحدة (المعهد الوطني للتربية) تتلقى نحو 16 ألف طلب لـ 2000 مقعد سنويًا، ويحظى كل معلم بنحو 100 ساعة تطوير مهني في السنة وبثلاثة مسارات مهنية واضحة. والمقصود ليس استنساخ النموذج، بل اعتماد منطقه: التخطيط، والانتقاء، والإعداد، والتقويم، والمسار المستقر.
وتقترح الدراسة إطارًا عمليًا يشمل: آلية وطنية شفافة للتوظيف، وبرنامجًا انتقاليًا عادلًا للمتعاقدين الحاليين يوازن بين احترام حقوقهم وحماية حق الطلاب، وتحييد التوظيف عن التدخل السياسي والطائفي، ومواجهة صريحة لاقتصاد السياسة الذي يعطّل الإصلاح، إضافةً إلى استقطاب الكفاءات المهاجرة، وضبط الموارد بما يوفّر — بحسب تقديرات البنك الدولي — نحو 29 مليون دولار سنويًا يمكن إعادة استثمارها في جودة التعليم. وتُختم باثنتي عشرة توصية مقرونة بمؤشرات قياس قابلة للتنفيذ التدريجي.
مقدمة
تؤكد التجارب التعليمية الناجحة أن جودة التعليم تبدأ من جودة المعلم: من طريقة اختياره، ومستوى إعداده الأكاديمي والتربوي، والتدريب العملي الذي يسبق دخوله إلى الصف، ثم من نظام التطوير المهني والتقويم الذي يرافقه طوال مسيرته. ولذلك لا تنظر الأنظمة المتقدمة إلى التدريس بوصفه عملًا مؤقتًا لسد حاجات وظيفية، بل بوصفه مهنة احترافية ذات شروط دخول واضحة، ومسار مهني مستقر، ومعايير أداء ومساءلة.
أما في لبنان، فقد تحوّل التعاقد بالساعة في أجزاء واسعة من التعليم الرسمي والجامعي من إجراء استثنائي إلى وضع شبه دائم. والأرقام تكشف عمق الخلل: ففي الجامعة اللبنانية يبلغ عدد أساتذة الملاك والمتفرغين نحو 1600 أستاذ فقط، بينما يقارب عدد المتعاقدين ضعف هذا الرقم. وفي التعليم الأساسي لم تُجرَ دورة تثبيت للمتعاقدين منذ عام 2010، وفي التعليم المهني لم يُثبَّت متعاقد منذ نهاية القرن الماضي تقريبًا. وقد تراجعت نسبة أساتذة التعليم الرسمي من مجموع أساتذة لبنان إلى أدنى مستوى لها في تسع سنوات، إذ بلغت نحو 39.9% في العام الدراسي 2022/2023.
ولا تكمن المشكلة في وجود المتعاقدين أنفسهم، فكثير منهم يمتلك خبرة علمية وتربوية مهمة، بل في غياب سياسة وطنية تضبط اختيارهم وتأهيلهم وتقييمهم، وتحدد لهم مستقبلًا مهنيًا عادلًا.
إن إصلاح التعليم لا يقتصر على المناهج والتكنولوجيا والأبنية، بل يبدأ بإعادة بناء مهنة التعليم على أساس الكفاءة والاستحقاق والاستقرار والحوكمة الرشيدة. ومن هذا المنطلق، تستعرض هذه الدراسة أهم مبادئ إعداد المعلمين في التجارب الدولية، ولا سيما سنغافورة، وتقترح إطارًا عمليًا لإصلاح التوظيف في لبنان.
أولًا: أسس مهنة التعليم في الأنظمة المتقدمة
تقوم الأنظمة التعليمية الناجحة على مجموعة من المبادئ المشتركة.
أولها الانتقاء الدقيق قبل الدخول إلى المهنة. فالشهادة الجامعية لا تكفي وحدها، بل تُستكمل باختبارات في التخصص، ومقابلات مهنية، وتقويم للقدرة على التواصل والتدريس، وأحيانًا بتجربة عملية داخل الصف.
وثانيها التكامل بين الإعداد الأكاديمي والتربوي. فالمعلم يحتاج إلى معرفة تخصصه، لكنه يحتاج أيضًا إلى فهم طرائق التعلم، وإدارة الصف، والتقويم، والفروق الفردية، والتربية الدامجة، وأخلاقيات المهنة.
وثالثها التدريب الميداني تحت إشراف معلمين أو أساتذة ذوي خبرة، بحيث لا يمارس المرشح التعليم بصورة مستقلة قبل أن يثبت قدرته العملية.
أما المبدأ الرابع فهو التطوير المهني المستمر. فلا يتوقف إعداد المعلم عند التعيين، بل يستمر من خلال التدريب والتقويم والتعلم المهني طوال الخدمة.
ويتمثل المبدأ الخامس في توفير مسار وظيفي مستقر يربط التقدم بالكفاءة والأداء والتطوير، لا بالأقدمية وحدها أو بالعلاقات الشخصية والسياسية. فالاستقرار لا يعني غياب المساءلة، كما أن المساءلة لا تبرر إبقاء المعلم في هشاشة دائمة.
ثانيًا: التجربة السنغافورية ودلالاتها
عند استقلالها سنة 1965، كانت سنغافورة دولة صغيرة محدودة الموارد تعاني البطالة والأمية ومشكلات السكن، لكنها اختارت أن تجعل المعرفة والمهارة أساس مشروع بناء الدولة، فأصبح التعليم جزءًا من رؤية اقتصادية واجتماعية طويلة المدى لا قطاعًا منفصلًا عنها. وهي لا تنظر إلى التعليم بوصفه أداة اقتصادية فحسب، بل وسيلةً لبناء المواطن المسؤول وتعزيز التماسك الاجتماعي أيضًا.
ولا تقوم الإفادة اللبنانية من هذه التجربة على افتراض التشابه بين البلدين، بل على سؤال عملي: ما المبادئ التي يمكن استخلاصها، وكيف تُكيَّف مع ظروف لبنان السياسية والاقتصادية والاجتماعية؟ ومع ذلك، يظل بين البلدين وجه شبه جوهري يمنح المقارنة قيمتها: محدودية الموارد الطبيعية والاعتماد المباشر على الإنسان والمعرفة. فقد أدركت سنغافورة مبكرًا أن صغر مساحتها يفرض عليها الاستثمار في الإنسان بوصفه موردها الأهم، فجعلت التعليم وإعداد المعلمين في صميم مشروعها التنموي؛ وينطبق المبدأ نفسه على لبنان الذي استند حضوره الاقتصادي والثقافي تاريخيًا إلى كفاءة أبنائه وانفتاحهم على العالم، أكثر من استناده إلى ثروات طبيعية واسعة. فحين تكون الثروة الأساسية هي الإنسان، يصبح ضعف التعليم هدرًا لأهم مورد وطني، بينما يتحول الاستثمار في المعلم إلى استثمار مباشر في الاقتصاد والإدارة والابتكار والتماسك الاجتماعي.
ولعلّ أبلغ دليل على مردود هذا الخيار هو الأثر الاقتصادي التراكمي. فعند الاستقلال سنة 1965 لم يتجاوز نصيب الفرد الاسمي من الناتج المحلي نحو 500 دولار، أي في مستوى المكسيك وجنوب أفريقيا آنذاك، في بلد بلا موارد طبيعية ولا عمق جغرافي وتناهز فيه البطالة 9%. أما اليوم فقد تجاوز نصيب الفرد نحو 68 ألف دولار (وأكثر من 130 ألفًا بمعيار تعادل القوة الشرائية)، أي بارتفاع يفوق المئة ضعف. والأدلّ من الرقم المطلق هو الموقع النسبي: ففي عام 1960 كان دخل الفرد في سنغافورة ثُلث متوسط أوروبا الغربية، ثم تجاوزه بحلول عام 1994، وبات اليوم نحو ضعفه بعد تعديل التضخم وفوارق الكلفة المعيشية، حتى صار أعلى من نظيره في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وأستراليا. ولا يُعزى هذا التحول إلى التعليم وحده، لكنّ الاستثمار في التعليم ورأس المال البشري كان أحد أبرز عوامله، إلى جانب سياسات مكافحة الفساد والتحول إلى مركز مالي عالمي. وهنا تكمن العبرة الأهم للبنان: حين تكون ثروة البلد الأساسية بشرًا لا معادن، يصبح الإنفاق على المعلم والمدرسة استثمارًا مباشرًا في الناتج الوطني، لا بندًا استهلاكيًا يُقتطع عند أول أزمة.
وما يميّز سنغافورة في بناء مهنة التعليم ليس شعاراتها بل صرامة تطبيقها. فمؤسسة واحدة معتمدة لإعداد المعلمين هي المعهد الوطني للتربية (NIE)، التابع لجامعة نانيانغ التكنولوجية، وتعمل بتنسيق وثيق مع وزارة التربية والمدارس. ويبدأ الأمر من الانتقاء: تختار سنغافورة مرشحيها من الثلث الأعلى من كل دفعة أكاديمية، ويخضعون لمقابلات تُجريها لجان من مديري مدارس ذوي خبرة تركّز على القيم والمهارات إلى جانب السجل الأكاديمي. والمنافسة شديدة إلى حد أن المعهد يتلقى وسطيًا نحو 16 ألف طلب لنحو 2000 مقعد سنويًا. ولا يُترك المرشح لكلفة الإعداد وحده، بل يتقاضى راتبًا تدريبيًا يقارب 60% من راتب المعلم خلال فترة التدريب، مقابل التزامه بالتدريس مدة لا تقل عن ثلاث سنوات.
ولا يتوقف الإعداد عند التعيين. فلكل معلم في سنغافورة حق في نحو 100 ساعة تطوير مهني سنويًا، وأمامه ثلاثة مسارات مهنية واضحة: مسار التدريس، ومسار القيادة، ومسار الاختصاص التربوي. ويسمح ذلك للمعلم المتميز بالتقدم من دون أن يضطر إلى مغادرة الصف. ونتيجة هذا الاستثمار في «مقدّمة» المنظومة، تكاد سنغافورة لا تعاني من هجرة المعلمين أو تسرّبهم، وهي بالضبط المعضلة التي يغرق فيها لبنان.
وقد ترجمت سنغافورة هذه الفلسفة إلى ممارسات ملموسة: وضعت التعليم ضمن أولويات الدولة وخططها الاقتصادية، وحدّثت مناهجها دوريًا وفق التحولات العلمية والمهنية، واستثمرت في المعلم بوصفه العنصر الأكثر تأثيرًا داخل الصف، واستخدمت نتائج التعلم لتطوير المدارس لا للاحتفال بالترتيب فقط. كما اعتمدت التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي أدواتٍ داعمة للعمل التربوي، لا بديلًا من المعلم، إذ يبقى القرار في يد شخص مؤهل ومدرب.
ولا يحتاج لبنان إلى استنساخ النموذج السنغافوري بحذافيره، فالسياقان مختلفان في الحجم والموارد والاستقرار المؤسسي. بل يحتاج إلى اعتماد منطقه الأساسي: التخطيط للحاجات، وانتقاء المرشحين، وإعدادهم، وتدريبهم، وتقويمهم، ثم توفير مسارات مهنية واضحة لهم، ضمن رؤية تعتبر التعليم الوسيلة الأساسية لتنمية المورد البشري الذي يشكل الثروة الحقيقية للبلاد.
ثالثًا: مشكلة التعاقد بالساعة في لبنان
يكون التعاقد بالساعة مقبولًا عندما يُستخدم لتغطية حاجة مؤقتة أو لتدريس اختصاص نادر. لكنه يصبح مشكلة عندما يتحول إلى بديل دائم من التوظيف المهني — وهو ما حصل فعلًا في لبنان، حيث باتت صيغتا «لمرة واحدة» و«بصورة استثنائية» مفتاحًا لتشريعات متكررة أفرغت الاستثناء من معناه على مدى عقود.
فالمؤسسة التي تعتمد بصورة واسعة على المتعاقدين يصعب عليها بناء هيئة تعليمية مستقرة تشارك في التخطيط والتطوير والإرشاد والبحث. كما ينشغل المتعاقد بتأمين الساعات وتجديد العقد أكثر من انخراطه في مشروع تربوي طويل الأمد. وقد فاقمت الأزمة الاقتصادية هذه الهشاشة إلى حد أن بعض المتعاقدين تخلّوا عن عقودهم لأن كلفة تنقّلهم فاقت ما يتقاضونه.
وفي التعليم العالي، لا يستطيع الأستاذ المتعاقد الذي يتنقل بين مؤسسات متعددة أن يخصص وقتًا كافيًا للبحث العلمي والإرشاد الأكاديمي وتطوير البرامج. فالجامعة لا تقوم على المحاضرات فقط، بل تحتاج إلى هيئة أكاديمية متفرغة تتحمل مسؤولية مؤسسية مستمرة. وقد ترجمت الأزمة الأخيرة هذا الخلل البنيوي إلى كارثة فعلية: أقسام كاملة في كليات العلوم فرغت من أساتذتها المتعاقدين، وهاجر عدد كبير منهم، وقد صار بعضهم يتابع التدريس «عن بعد» من خارج لبنان في مرحلة الأزمة الحادة، بينما تراجعت حصة الجامعة الوطنية من طلاب لبنان من نحو 60% عام 2000 إلى نحو 29% اليوم.
ولا يجوز أن يتم التعاقد لمجرد حيازة شهادة جامعية؛ بل يجب أن يسبقه تحقق من الكفاءة العلمية والقدرة التدريسية، وأن يتبعه تدريب وتقويم فعلي للأداء. كما يجب ألا يبقى المتعاقد سنوات طويلة بلا مسار مهني، فهذا الوضع يضعف الاستقرار والانتماء المؤسسي، ويجعل التعليم أقرب إلى أداء ساعات عمل منه إلى ممارسة مهنة ذات رسالة.
وعليه، ينبغي أن يبقى التعاقد أداة محدودة واستثنائية، لا أن يتحول إلى قاعدة دائمة لإدارة التعليم.
رابعًا: تحييد التوظيف عن التدخل السياسي والطائفي
لا يكتمل إصلاح التعليم من دون تحييد التوظيف والتعاقد والتفرغ والترقية عن التدخل السياسي والطائفي. فالمؤسسات التعليمية يجب أن تختار العاملين فيها وفق حاجاتها ومعايير الكفاءة، لا وفق المحاصصة والوساطة.
عندما يغيب النظام الشفاف، تصبح الفرص غير متكافئة، وقد تُهدر وظائف على اختصاصات لا تحتاج إليها المؤسسة، بينما يستمر النقص في مجالات أساسية. كما يفقد أصحاب الكفاءة ثقتهم بالمؤسسات، ويتراجع مستوى التعليم.
ويؤدي استمرار المتعاقدين في أوضاع وظيفية هشة إلى جعل بعضهم أكثر عرضة للضغوط السياسية والطائفية، لأن تجديد ساعاتهم أو تحسين أوضاعهم قد يبدو مرتبطًا بجهات أو وسطاء، لا بنتائج تقويم مهني معلن. وهكذا قد يتحول المتعاقد من صاحب حق مهني إلى رهينة لنظام من التبعية. ولعل أوضح دليل على ذلك أن روابط الأساتذة أنفسهم باتت تطالب علنًا بأن تكون «الكفاءة والحاجة» — لا الواسطة والزبائنية والطائفية — المعيارين الأساسيين في التعاقد والتفرغ.
ولا تُعالج هذه المشكلة بالشعارات، بل بإنشاء قواعد مؤسسية تشمل الإعلان العلني عن الشواغر، واعتماد مباريات واختبارات ومقابلات منظمة، وتشكيل لجان مستقلة، ونشر النتائج، وإتاحة الاعتراض، ومنع تضارب المصالح، وأهم من ذلك كله السهر على تطبيق المعايير والقوانين المنظمة.
إن العدالة بين اللبنانيين من مختلف الطوائف والمناطق لا تتحقق بتوزيع الوظائف وفق المحاصصة، بل بإخضاع الجميع للمعايير نفسها ومنح الفرصة للأكفأ.
خامسًا: اقتصاد السياسة — من يعطّل الإصلاح ولماذا؟
لا تكفي البراهين المنطقية لإقناع منظومة قائمة بأن تتخلى طوعًا عن أدواتها. فأي إصلاح جدي للتوظيف التربوي يصطدم بمصالح راسخة، والاعتراف بها شرط لتجاوزها.
المعطّل الأول سياسي: التوظيف والتعاقد أداة زبائنية وطائفية تمنح القوى النافذة نفوذًا وولاءات؛ ونظام شفاف قائم على الكفاءة ينزع منها هذه الأداة، فتقاومه.
والمعطّل الثاني مصلحي مباشر: تشير بعض الشهادات إلى وجود «لوبي» تستفيد منه جهات ترى في بقاء الجامعة الوطنية ضعيفة مصلحةً لها، إذ يتيح لها الاعتماد على أساتذتها بأجور جزئية.
والمعطّل الثالث نقابي وإنساني في آن: المتعاقدون أنفسهم، بعد سنوات من الانتظار، يطالبون بالتثبيت الشامل، وقد يرون في أي نظام يربط التثبيت بالتقويم تهديدًا لهم لا إنصافًا.
وتجاوز هذه العقبات لا يكون بتجاهلها، بل ببناء تحالف داعم للإصلاح يضم المتعاقدين الأكفأ الذين يربحون من نظام عادل، والطلاب وأهاليهم المتضررين من تعطّل التعليم، والجهات المانحة الدولية التي يمكن ربط تمويلها بشروط حوكمة، والرأي العام الذي أنهكته سنوات الإضرابات. فالإصلاح الذي لا يبني قاعدته السياسية يبقى حبرا على ورق.
سادسًا: آلية وطنية للتوظيف
يحتاج لبنان إلى آلية واضحة ومحترمة للتوظيف في التعليم الرسمي والجامعة اللبنانية، تقوم على المراحل الآتية:
1. تحديد حاجات المدارس والجامعات بحسب المناطق والمراحل والاختصاصات.
2. الإعلان العلني عن الوظائف والشروط والمواعيد.
3. التحقق من المؤهلات العلمية وملاءمتها للوظيفة.
4. إجراء اختبار في التخصص والكفايات التربوية.
5. اعتماد مقابلات مهنية وتجارب تدريس وفق معايير موحدة.
6. نشر لوائح النجاح أو الأهلية وإتاحة الاعتراض.
7. تعيين المقبولين في مرحلة أولية تتضمن التدريب والتقويم.
8. منح الاستقرار الوظيفي أو الترخيص الكامل بعد إثبات الكفاءة.
ويجب أن تشرف على هذه الآلية جهة مستقلة تخضع للرقابة والمساءلة، وتضم اختصاصيين في التربية والتعليم العالي والإدارة العامة، مع قواعد واضحة لمنع التدخل السياسي وتضارب المصالح. ويمكن الاستفادة هنا من الأطر القانونية القائمة بدل الاصطدام بها؛ فالقانون 9084 المتعلق بالجامعة اللبنانية ينص أصلًا على أن التعاقد مع أساتذة جدد يمر بإعلان الشواغر والاستماع إلى المرشح وتقييم الدكتوراه والأبحاث — أي أن كثيرًا من مبادئ الشفافية موجود نصًّا، والمعضلة في التطبيق لا في التشريع.
سابعًا: معالجة أوضاع المتعاقدين الحاليين
لا يجوز تجاهل الخبرة التي راكمها المتعاقدون الحاليون، كما لا يجوز تثبيت الجميع بصورة آلية من دون تقويم. والحل العادل هو إنشاء برنامج انتقالي وطني يمنحهم فرصة لإثبات كفاءتهم.
يمكن أن يشمل البرنامج تقويمًا للمعرفة التخصصية، ودورات في التربية وطرائق التدريس، وملاحظة فعلية للأداء داخل الصف، وملف إنجاز، وتقييمًا للخبرة السابقة. ويُعتمد النجاح في هذا البرنامج أساسًا للدخول إلى لوائح التوظيف أو التفرغ، بينما يُتاح لمن يحتاج إلى تطوير إضافي استكمال التأهيل خلال مهلة محددة.
وبذلك يجمع الإصلاح بين احترام حقوق المتعاقدين وحماية حق الطلاب في تعليم جيد، من دون تثبيت آلي أو استبعاد جماعي.
ثامنًا: استقطاب الكفاءات اللبنانية في الخارج
يمكن لآلية توظيف شفافة وعادلة أن تستقطب كفاءات لبنانية تعمل في جامعات ومدارس ومراكز أبحاث مرموقة حول العالم، ويرغب كثير منها في المساهمة في نهضة لبنان إذا توفرت بيئة مهنية محترمة. ويكتسب هذا البُعد إلحاحًا مضاعفًا لأن موجة الهجرة الأخيرة لم تستنزف من هم في الخارج فحسب، بل دفعت آلاف الأساتذة المقيمين إلى المغادرة، فبات الاستقطاب استعادةً لخسارة قائمة لا مجرد إضافة.
ولا تكفي الدعوات العاطفية للعودة، بل يجب أن يعرف المرشح طبيعة الوظيفة، ومعايير الاختيار، وحقوقه، ومسار الترقية، وفرص البحث والتطوير. فصاحب الكفاءة لن يترك مسارًا مستقرًا ليعود إلى عقد مؤقت أو نظام يعتمد على الوساطة.
ويمكن إنشاء منصة وطنية للكفاءات اللبنانية في الاغتراب، تتيح فرص العودة الدائمة أو المؤقتة، والتدريس المكثف، والإشراف على البحوث، وتطوير البرامج، والتدريب عن بعد، وبناء شراكات مع المؤسسات العالمية. إن نظامًا مفتوحًا لجميع اللبنانيين على أساس العلم والكفاءة، بعيدًا عن الطائفة والانتماء السياسي، يمكن أن يحول الهجرة العلمية من خسارة وطنية إلى مصدر للخبرة والابتكار.
تاسعًا: ضبط الموارد والاستثمار في التعليم
يمكن لحسن إدارة التوظيف والموارد البشرية أن يوفر موارد مهمة تُعاد إلى القطاع نفسه. وهذا ليس افتراضًا نظريًا: فقد قدّرت دراسة للبنك الدولي بالتعاون مع وزارة التربية، استنادًا إلى بيانات نظام إدارة المعلومات المدرسية للعام 2022/2023، أن تحسين الاستفادة من معلمي القطاع الرسمي وحده يمكن أن يوفّر نحو 29 مليون دولار سنويًا. ويتقاطع ذلك مع مفارقة لبنانية لافتة: معدل التلامذة إلى المعلمين منخفض جدًا (نحو 13 إلى 1 في الابتدائي و6 إلى 1 في الثانوي، وهي نسب دون متوسط دول المنظمة)، ما يعني أن المشكلة ليست نقص الأعداد بقدر ما هي سوء التوزيع والتخطيط.
ولا يعني ضبط الموارد تقليص التعليم أو الانتقاص من حقوق العاملين، بل تحديد الحاجات الحقيقية، ومنع التوظيف العشوائي، وإعادة توجيه الوفورات نحو الأولويات: تطوير إعداد المعلمين، وتحسين أجورهم، ودعم التدريب المستمر، وتجهيز المدارس والمختبرات، وتعزيز التربية الخاصة، وتمويل البحث العلمي في الجامعة اللبنانية.
فالتعليم ليس إنفاقًا استهلاكيًا، بل استثمار في الإنتاجية والابتكار والاستقرار الاجتماعي. والمعلم المؤهل يترك أثرًا يمتد إلى أجيال من الطلاب، ولذلك فإن الاستثمار في إعداده وتطويره من أكثر الاستثمارات العامة جدوى.
عاشرًا: توصيات عملية ومؤشرات قياس
تقترح الدراسة تنفيذ الإجراءات الآتية تدريجيًا، مع ربط كل مرحلة بمؤشرات نجاح قابلة للقياس:
1. إصدار معايير وطنية موحدة لممارسة مهنة التعليم — ويُقاس بـاعتماد المعايير رسميًا خلال 12 شهرًا.
2. اعتماد مباريات واختبارات ومقابلات شفافة للتوظيف — ويُقاس بـنشر نتائج كل مباراة علنًا.
3. حصر التعاقد بالساعة بالحاجات المؤقتة والتخصصات النادرة — ويُقاس بـخفض نسبة المتعاقدين تدريجيًا إلى سقف محدد.
4. وضع مدة قصوى للحالة التعاقدية — بحيث لا يتجاوز أي تعاقد عددًا محددًا من السنوات دون تقويم.
5. إنشاء برنامج تأهيل وتقويم للمتعاقدين الحاليين — ويُقاس بـنسبة المتعاقدين الذين خضعوا للتقويم.
6. اعتماد ترخيص مهني مرتبط بالتطوير المستمر — ويُقاس بـساعات التطوير المهني السنوية لكل معلم.
7. بناء مسارات واضحة في التدريس والقيادة والتخصص — ويُقاس بـإتاحة المسارات الثلاثة فعليًا.
8. إصلاح آليات التعاقد والتفرغ والترقية في الجامعة اللبنانية — ويُقاس بـإقرار ملف التفرغ وفق الكفاءة والحاجة.
9. إنشاء قاعدة بيانات وطنية لحاجات التعليم والاختصاصات — ويُقاس بـتشغيل القاعدة وتحديثها سنويًا.
10. إطلاق برنامج لاستقطاب الكفاءات اللبنانية في الخارج — ويُقاس بـعدد العائدين أو المشاركين سنويًا.
11. نشر نتائج التوظيف والتعاقد والتفرغ وتعزيز الرقابة — ويُقاس بـتقرير شفافية دوري.
12. إعادة توجيه الوفورات نحو الجودة والبحث — ويُقاس بـحجم الوفورات المُعاد استثمارها.
وينبغي أن يبدأ التنفيذ بتحديد الحاجات ووضع المعايير، ثم إطلاق البرنامج الانتقالي للمتعاقدين، وبعد ذلك توسيع التوظيف المستقر والترخيص والتطوير المهني.
خاتمة
لا يحتاج لبنان إلى توسيع التعاقد غير المنظم، بل إلى بناء مهنة تعليمية حقيقية. فالتعاقد قد يملأ الجداول، لكنه لا يضمن جودة التعليم ولا استقرار المؤسسات.
ويبدأ الإصلاح بانتقاء المعلمين والأساتذة وفق الكفاءة، وإعدادهم وتدريبهم وتقويمهم، ثم تأمين مسار مهني مستقر ومسؤول لهم. كما يتطلب إخراج التوظيف والتعاقد والتفرغ والترقية من دائرة التدخل السياسي والطائفي — وهو أصعب ما في المهمة، لأنه يمسّ مصالح من بيدهم قرار الإصلاح نفسه.
إن إنشاء آلية وطنية شفافة يمكن أن ينصف المتعاقدين الأكفاء، ويمنح جميع اللبنانيين فرصًا متساوية، ويستقطب خبرات لبنانية من الخارج، ويوفر موارد تُستثمر في تطوير التعليم والبحث العلمي.
وفي بلد يعتمد على التنمية البشرية، لا يكون الاستثمار في التعليم خيارًا ثانويًا، بل شرطًا أساسيًا للنهوض. فالمعلم ليس موظفًا مؤقتًا لسد الشغور، بل هو صانع رأس المال البشري الذي يقوم عليه مستقبل لبنان.

