تتكدس السيارات والشاحنات الصغيرة على جادة الطريق السريع الممتد من عمق الجنوب اللبناني باتجاه العاصمة بيروت ومناطق الجبل. المشهد ليس غريباً على الذاكرة اللبنانية المثقلة بالحروب، لكن التفاصيل المستجدة تمنحه بعداً سريالياً يفيض بالمفارقات.
مع كل إنذار يصدره الجيش الإسرائيلي بإخلاء مدينة أو بلدة جنوبية، تتدفق مئات العائلات هرباً من آلة الدمار، تاركة وراءها أرزاقاً وبيوتاً تحولت في لحظات إلى ركام. المفارقة الصارخة هنا لا تكمن فقط في حجم المأساة الإنسانية، بل في تلك المشهدية البصرية التي ترافق النازحين، طوابير طويلة من السيارات المثقلة بالأمتعة والأطفال، تسير ببطء شديد تحت مئات الرايات والأعلام الصفراء التابعة لحزب الله، والتي زُرعت بدقة وتكثيف على طول الأوتوستراد الدولي وفي الساحات العامة.
هذه الرايات التي رُفعت لتكون شاهداً بصرياً على “الحضور”، “السطوة”، و”الانتصارات” الإستراتيجية، باتت في ظل الواقع الراهن سقفاً لمأساة كبرى تعيشها بيئة الحزب وعموم الجنوبيين.
إنها المشهدية الدالة على الكيفية التي تتحول بها شعارات النصر المنفصلة عن الواقع إلى فواتير قاسية يدفعها المواطن اللبناني من أمنه واستقراره ومستقبل أبنائه.
السريالية البصرية: شعارات القوة مقابل طوابير الضعف
لا يمكن للمراقب أن يغفل التناقض الحاد بين أدبيات التعبئة الإعلامية لحزب الله والواقع الميداني. على طول الخطوط الممتدة من صور والزهراني وصولاً إلى صيدا ومداخل بيروت، ترتفع اليافطات والصور العملاقة والرايات الحزبية، تحمل عبارات تتحدث عن الردع، الاقتدار، وسحق خطط العدو. لكن تحت هذه اليافطات مباشرة، تتدفق قوافل النازحين في حالة من الإنهاك التام، تبحث عن سقف آمن أو خيمة إيواء.
هذا التباين البصري يختصر جوهر الأزمة؛ فالأعلام التي رُفعت للاحتفال بـ”الانتصار” تحولت إلى مظلة لأكبر عملية تهجير قسري تشهدها المنطقة.
المشهد يوحي بشكل لا لبس فيه بأن البروباغندا السياسية والعسكرية باتت عاجزة عن حجب الحقيقة العارية: الردع قد تآكل، والبيئة الحاضنة تُركت وحدها لتواجه تداعيات قرارات لم تُستشر فيها، وتحت رعاية تلك الرايات نفسها التي وعدتهم بالأمن والأمان قبل الحرب.
خيارات منفردة وكوارث جماعية
إن ما يمر به الجنوب اللبناني اليوم، وامتداداً إلى كل المناطق اللبنانية التي طالها القصف، هو نتاج مباشر لربط مصير البلد بجبهات ومحاور إقليمية تحت عنوان “المساندة” أو “المشاغبة”. هذه الخيارات والقرارات المنفردة التي اتخذتها قيادة حزب الله، متجاوزة مؤسسات الدولة اللبنانية ومصالح الشعب بجميع مكوناته، أسفرت عن كوارث شاملة لم تستثنِ أحداً.
إقرأ أيضا: بيئة المقاومة بين نداءات محمد رعد وواقع التشريد.. فجوة الشعارات والأرصفة!
واللافت في هذه الحرب أن البيئة الحاضنة للحزب، والتي رُهنت خياراتها لسنوات طويلة تحت شعارات المقاومة والتضحية، هي نفسها التي تلقت الضربة الأشد إيلاماً. فالقصف لم يدمر المواقع العسكرية الفئوية، بل دمر البنية التحتية للجنوب، وقضى على مواسم المزارعين، ومحا أحياءً سكنية كاملة في النبطية، وصور، وقرى الحافة الأمامية.
تتحول “الانتصارات الإلهية” الموعودة في الخطابات السياسية إلى هزائم موصوفة على أرض الواقع عندما تفقد الجماعة قدرتها على البقاء في أرضها، وتتحول إلى جموع تبحث عن ملجأ في المدارس ومراكز الإيواء المؤقتة.
مفهوم النصر والهزيمة: تباين المعايير
تُبرز هذه الأزمة انقساماً حاداً في تعريف مفهومي النصر والهزيمة بين قيادة الحزب والجمهور اللبناني (بما فيه جزء صامت من البيئة الحاضنة):
- النصر بمنظور الحزب: يتلخص في القدرة على البقاء السياسي، واستمرار إطلاق الصواريخ والمسيّرات باتجاه الطرف الآخر، والحفاظ على الهيكل التنظيمي بغض النظر عن الكلفة البشرية والمادية والاجتماعية. بالنسبة لهذا المنطق، طالما أن السلاح موجود، فإن النصر قائم.
- النصر بمنظور الناس: يتمثل في القدرة على العيش بأمان، الحفاظ على الأرواح والممتلكات، استقرار الاقتصاد، وعدم التعرض للتهجير المذل كل بضع سنوات.
من هنا، يصبح النزوح الكثيف تحت الأعلام الصفراء تعبيراً حياً عن سقوط مفهوم الردع المتبادل. فعندما ينجح طرف في تفريغ مدن كاملة كمدينة صور ونواحيها بإنذار هاتفي أو تغريدة على وسائل التواصل الاجتماعي، تصبح أطروحة حماية المدنيين مجرد شعار أجوف، وتتحول الإنجازات العسكرية المفترضة إلى عبء ثقيل على كاهل المجتمع.
تداعيات وطنية عابرة للمناطق
إن الكارثة الناجمة عن خيارات الحزب لم تعد محصورة في النطاق الجغرافي للجنوب أو البقاع أو الضاحية الجنوبية لبيروت، بل تمددت لتصيب النسيج الوطني والاجتماعي اللبناني برمته. الضغط الاقتصادي الهائل الناتج عن استيعاب مئات آلاف النازحين في بلد يعاني أساساً من انهيار مالي وتاريخي غير مسبوق، فاقم من حدة التوترات الاجتماعية.
المؤسسات التربوية الرسمية أُغلقت لتتحول إلى مراكز إيواء، والأسواق التجارية مشلولة، والقدرة الاستيعابية للدولة تلاشت كلياً. هذا الوضع يضع البلاد أمام مأزق بنيوي طويل الأمد، فالتهجير الحالي ليس مجرد جولة مؤقتة من المواجهة، بل هو تغيير ديموغرافي واقتصادي قسري يعيد تشكيل وجه لبنان نحو الأسوأ، ويزيد من حدة الانقسام الداخلي حول جدوى البقاء في خطوط المواجهة الإقليمية على حساب المصلحة الوطنية العليا.
العودة إلى الواقع خلف الرايات
في نهاية المطاف، ستبقى تلك الصور الملتقطة على طرقات الجنوب شاهدة على حقبة من أغرب حقبات التاريخ اللبناني المعاصر. فالراية، التي يُفترض بها أن ترمز إلى السيادة أو الحماية أو الانتصار على الأعداء، تحولت في المشهد الميداني إلى علامة جغرافية ترسم حدود المعاناة وخريطة طريق الهروب.
إن مئات السيارات التي تعبر الأوتوستراد الجنوبي صعوداً نحو العاصمة، تفعل ذلك مدفوعة بغريزة البقاء، متجاوزة صخب اليافطات الحزبية والشعارات الأيديولوجية.
هذه الحركة الكثيفة للناس تحت وطأة النيران تقول بوضوح: إن الانتصارات الحقيقية هي تلك التي تحمي الإنسان وتبني الأوطان، أما الانتصارات التي تُبنى على أنقاض البيوت وتُتوج بتهجير الأهل تحت رعاية رايات صامتة، فليست في وجدان الناس إلا هزائم قاسية مغلفة بالشعارات.
وفوق تلك الطرقات المزدحمة، ينكشف الفارق الشاسع بين عالمين: عالم البروباغندا الافتراضي المليء بالوعود، وعالم الميدان المرير حيث يواجه اللبناني مصيره وحيداً تحت عين الشمس وتحت ظلال الرايات نفسها التي قادته إلى هذا المصير.

