تُعدّ «سياسة الإنذارات» التي ينتهجها الجيش الإسرائيلي في حربه الراهنة ضد لبنان، وتحديداً في الضاحية الجنوبية والبقاع والجنوب، أداةً عسكرية ونفسية متكاملة الأركان، تتجاوز في أهدافها مجرد “التحذير السطحي” لتصل إلى عمق البنية الاجتماعية والسياسية اللبنانية.
ومع ارتفاع وتيرة هذه التهديدات في نيسان 2026، بات من الضروري تشريح هذه الظاهرة وفهم فلسفتها، والتساؤل عن الجدوى الاستراتيجية لقرار “الإسناد” الذي وضع الوطن في قلب هذا الجحيم.
المنظور العسكري: «تجريد البيئة وتحييد العوائق»
من الناحية العسكرية الصرفة، تهدف الإنذارات اليومية إلى تحويل المناطق المأهولة إلى «مناطق عسكرية مفتوحة»، حيث يسعى الجيش الإسرائيلي من خلالها إلى:
- شرعنة الاستهداف: الالتفاف على القوانين الدولية وتقليل الضغط الحقوقي عبر الزعم بمنح المدنيين فرصة للنجاة.
- تسهيل الحركة الاستخباراتية: إخلاء السكان يسمح للطائرات المسيرة برصد أي تحرك بدقة، واعتبار كل من بقي “هدفاً مشروعاً”.
- تدمير الحاضنة المادية: تدمير «البيئة العمرانية» بالكامل لجعل العودة إليها مستحيلة، وتحويل المدن إلى ركام يعيق أي نشاط مستقبلي.
الفلسفة النفسية: «كي الوعي وصناعة العجز»
تعتمد هذه الإنذارات على «الحرب النفسية التكتيكية»، وهي أدوات لـ:
- تحطيم الروتين: وضع اللبناني في حالة «استنفار عصبي دائم» عبر توقيت الإنذارات في ساعات متأخرة أو قبل دقائق من القصف.
- مشهد الهزيمة: تكريس صورة “الجيش المتحكم بالمصائر” بضغطة زر، وإجبار الناس على الفرار بملابس النوم تحت وطأة “تغريدة”.
- شق الصف الداخلي: إشعار الحاضنة الشعبية بأن ثمن خيارات المقاومة هو فقدان المأوى، ومحاولة تحميلهم كلفة الدمار الشخصي.
لبنان في ميزان «الإسناد»: ماذا جنينا لإيران؟
مع وصول البلاد إلى هذا الدرك من الدمار، يبرز السؤال الجوهري الذي يقض مضاجع اللبنانيين: ماذا جنى لبنان من قرار “حزب الله” بفتح جبهة الإسناد؟ وما هي الإضافة التي قدمها لطهران في هذه الحرب؟
- الوطن كـ «صندوق بريد»: أثبتت الوقائع أن لبنان تحول إلى ساحة لتنفيس الضغوط عن المحور الإيراني، حيث قُدّمت البنى التحتية اللبنانية كأوراق مقايضة لتعزيز الموقف التفاوضي الإقليمي لطهران.
- الإضافة الاستراتيجية لطهران: لقد منحت هذه الحرب إيران “درعاً بشرياً وجغرافياً” بعيداً عن حدودها، حيث يُهدم لبنان وتُباد قراه مقابل الحفاظ على أمن المنشآت الحيوية في العمق الإيراني، وهو ما يجعل اللبناني يتساءل عن عدالة “وحدة الساحات” حين تكون التضحية لبنانية بامتياز والقرار خارج الحدود.
التداعيات الاجتماعية والانهيار الممنهج
تؤدي هذه التهديدات إلى نزوح قسري متكرر، يحول المواطن إلى «لاجئ في وطنه»، مما يضعف ارتباطه بمحيطه الجغرافي.
كما يسبب الاكتظاظ في العاصمة ضغطاً هائلاً على البنية التحتية، ويهدد السلم الأهلي الذي حذر منه الرئيس جوزاف عون، ويخلق شروخاً طبقية بين القادرين على الاستئجار والمشردين في مراكز الإيواء.
تظل «البنية التحتية» هي الخاسر الأكبر؛ فالإنذارات تسبق تدمير المؤسسات والمباني والجسور مما يعني أن لبنان يواجه «إبادة عمرانية» ممنهجة ستترك ذاكرة اللبنانيين مثقلة بمرارة السؤال عن جدوى هذه المغامرة.
إرادة الصمود خلف الشاشات
إن “فلسفة الترهيب” الرقمية هي الوجه الحديث للحروب التدميرية، ومواجهتها تتطلب «تماسكاً وطنياً» ووعياً يمنع الانجرار خلف البروباغندا. لبنان اليوم، بجيشه وشعبه ومؤسساته، يخوض معركة “الصمود النفسي” قبل الميداني، لإثبات أن “الحجر” قد يسقط تحت وطأة “الخريطة الحمراء”، لكن “الإرادة اللبنانية” لا تُخلي مواقعها بقرار من شاشة هاتف، حتى وهي تواجه مرارة الشعور بأنها ضحية لصراعات أكبر من حدود الوطن.

