لطالما شكّلت الخطابة السياسيّة في المأزق التاريخيّ أداةً لتجميع الصفوف وضبط الانفعالات، لكنّها في لحظات الكوارث الكبرى المصيريّة، قد تتحول إلى نوعٍ من التعمية الأيديولوجيّة التي تمارس انفصالاً حادّاً عن الواقع المشهود.
يأتي النداء المطوّل الذي وجّهه رئيس كتلة «الوفاء للمقاومة» النائب محمد رعد إلى بيئة المقاومة وجمهورها، في توقيتٍ يمر فيه لبنان، وتحديداً الطائفة الشيعيّة، بأقسى امتحانات الوجود على الإطلاق. خطاباتٌ تُصاغ من فوق منبر فائض القوة النظري والحديث عن «المضي في المواجهة»، والوعظ بالصبر والصمود المفتوح على غايات غامضة، تتناسى عن عمد حجم الفاجعة الممتدة على طول الجنوب والبقاع والضاحية.
هذا الخطاب التعبوي الذي يحاول التظاهر بالإمساك بزمام الحرب وتوجيه دفتها، يتجاهل تحت وطأة لغة «السيادة والكرامة» جروحاً نازفة، ومئات الآلاف من العائلات التي شُرّدت وباتت بلا مأوى، وقرى كاملة هُدّمت ومُحيت معالمها عن الخارطة.
إنها محاولة مستميتة لفرض سردية التضحية المطلقة كقدرٍ محتوم على بيئة منهكة، لم تعد تملك ترف الاختيار بين الموت والحياة، في مشهد يعيد فتح السؤال الجوهري حول جدوى الرهان على المحاور الخارجيّة، وحول المفهوم الحقيقي لإنقاذ الأوطان والعباد في زمن الحروب المدمّرة.
واقعيّة الجرح وأوهام الإمساك بالزمام
يتحدث النائب محمد رعد بلغة توحي بأنّ الجبهة والميدان محكومان كليّاً لقرار حزبه، وبأنّ النتائج الكارثيّة على الأرض ليست سوى «تفاصيل» في معركة إثبات الإرادات الدولية والإقليمية.
يسعى هذا الأسلوب إلى تغييب الحقيقة الميدانيّة المأزومة والهروب من مقاربة حجم الخسائر البشرية والاقتصادية والاجتماعية الهائلة.
يتحدث النائب محمد رعد بلغة توحي بأنّ الجبهة والميدان محكومان كليّاً لقرار حزبه، وبأنّ النتائج الكارثيّة على الأرض ليست سوى «تفاصيل» في معركة إثبات الإرادات الدولية والإقليمية.
فحين يخاطب النازحين والمشردين والجرحى طالباً منهم المزيد من الصبر والنقاء العقائدي، فإنه يقفز فوق أبسط حقوق الإنسان في الأمان والاستقرار؛ الصبرُ في الأدبيات السياسية والمجتمعية يُفترض أن يكون وسيلةً مؤقتة لتحقيق غاية صلبة، وليس أسلوب حياة دائم يتوارثه الأبناء تحت مسمى «القدر المكتوب».
إن بيئة المقاومة اليوم تعيش مأساة حقيقية تفترش فيها الطرقات وتبحث عن سقف يحمي أطفالها، والتعامل مع هذه المعاناة الإنسانية الفادحة ببيانات خشبية وشعارات تعبوية يُظهر فجوة عميقة بين قيادة سياسية لا تزال تفكر بمنطق الجبهات، وجمهور يبحث في الركام عن مقومات البقاء الأساسية.
توظيف التاريخ واستنباط الموت مجتزأً
لعل الأخطر في هذا النداء هو عملية الانتقاء الأيديولوجي في قراءة التاريخ الإسلامي وسير الأئمة، وتحديداً شخصية الإمام الحسين وثورته. يرى الخطاب في الحسين نموذجاً وحيداً ومطلقاً للموت والمواجهة العسكرية والشهادة، وتُنسى عن قصد بقيّة الأئمة كالسبط الحسن، والسجاد، والباقر، والكاظم، الذين أسسوا لمفاهيم أخرى لا تقل قداسة؛ مفاهيم تقوم على حفظ الدماء، وإرساء السلم، والمهادنة السياسية الذكية لإنقاذ المجتمع من الفناء الشامل، وبناء الفكر والإنسان بدلاً من دفعه لغرف العمليات العسكرية اللامتناهية.
وراء الكلمات المتراصة للنائب رعد، يستشعر المراقب محاولة جاهدة لاستيعاب وامتصاص حالة من الغضب المكتوم والقلق المتصاعد داخل البيئة الشيعية اللبنانية. فالأصوات لم تعد خافتة كما كانت في السابق؛ وبدأت الانتقادات تظهر علانية عبر شاشات التلفزة وفي مراكز النزوح ومنصات التواصل الاجتماعي. صرخة الناس اليوم واضحة ومباشرة: «لا تُحملونا ما لا طاقة لنا به»
لقد أُخذت كربلاء في هذا الخطاب على «المزاج الأيديولوجي» الذي يستسيغ مشهد الدم ويرفض مشهد الحياة. والمفارقة التاريخية الصارخة هنا، هي أن الإمام الحسين نفسه في ليلة العاشر من المحرم، وقف خطيباً في أصحابه وخيّرهم بين البقاء معه أو الانصراف، قائلاً لهم: «هذا الليل قد أقبل فاتخذوه جملاً»، مسقطاً عنهم حرج الجهاد وفرض التضحية، ومحترماً حريتهم الشخصية وقدرتهم على التحمل والعيش.
في المقابل، تأتي خطابات اليوم لتقيّد المجتمع بأسره، وتلزمه بتبعات مواجهة كونية تتخطى قدرة لبنان وطاقته، دون أن تترك للناس حق الاختيار أو التعبير، بل يتم تصنيف أي صرخة وجع أو مطالبة بالسلام كنوع من الضعف أو التخاذل أو التواطؤ مع العدو.
حقيقة الغضب المكتوم في البيئة الحاضنة
وراء الكلمات المتراصة للنائب رعد، يستشعر المراقب محاولة جاهدة لاستيعاب وامتصاص حالة من الغضب المكتوم والقلق المتصاعد داخل البيئة الشيعية اللبنانية. فالأصوات لم تعد خافتة كما كانت في السابق؛ وبدأت الانتقادات تظهر علانية عبر شاشات التلفزة وفي مراكز النزوح ومنصات التواصل الاجتماعي. صرخة الناس اليوم واضحة ومباشرة: «لا تُحملونا ما لا طاقة لنا به».
تأتي خطابات اليوم لتقيّد المجتمع بأسره، وتلزمه بتبعات مواجهة كونية تتخطى قدرة لبنان وطاقته، دون أن تترك للناس حق الاختيار أو التعبير، بل يتم تصنيف أي صرخة وجع أو مطالبة بالسلام كنوع من الضعف أو التخاذل أو التواطؤ مع العدو
إقرأ أيضا: قانون العفو العام في لبنان: تفكيك سيكولوجية «التوازن في الجريمة» والمحاصصة الجنائية
لقد دفعت هذه البيئة أثماناً باهظة على مدار عقود، وضحت بخيرة شبابها وبيوتها وأرزاقها، واليوم تجد نفسها أمام معركة لا أفق سياسياً واضحاً لها، بل تبدو كأنها حرب استنزاف بالوكالة. الشعار المرفوع في الشارع بات يحمل عتباً قاسياً ورفضاً قاطعاً لسياسة المحاور: «إذا كانت هذه الحرب من أجل مشاريع إقليمية أو لحماية أوراق تفاوضية في أيدي قوى خارجية كإيران، فاذهبوا إليها واتركوا لنا لبناننا». إنه تعبير عن وعي شعبي جديد بدأ يستفيق على حقيقة أن الانتماء للوطن والدولة هو الحصن الوحيد الحقيقي، وأن رهن الطائفة لخيارات عسكرية عابرة للحدود لم يورث البلاد سوى العزلة والعقوبات والخراب الشامل والعداء المحيط.
لبنان الرهينة.. كفى عبثاً بالبلاد والعباد
إن النتيجة الحتمية لهذه السياسات والخطابات التعبوية هي تحويل الدولة اللبنانية برمتها إلى رهينة فوق طاولة المفاوضات الدولية والإقليمية.
طُرحت المبادرات وتعددت المسودات الدبلوماسية، بينما تستمر آلة الحرب الإسرائيلية في قضم الحجر والبشر مستغلة غياب الغطاء الرسمي الحقيقي للدولة التي سُلبت قراراتها المصيرية كالسلم والحرب والتفاوض الفعلي.
إن من يريد إنقاذ لبنان وطائفته وشعبه، لا يطلق نداءات تدعو إلى مواصلة الصبر على الرماد والموت، بل يتحرك الآن وفوراً لوقف هذه المحرقة المدمّرة والكارثة الإنسانية غير المسبوقة
الكف عن العبث بالبلاد والعباد يتطلب شجاعة استثنائية للاعتراف بالخطأ وقراءة التحولات الدولية والواقع الميداني والداخلي بقراءة برجماتية حريصة على الأرواح. لا يمكن لأي حركة سياسية أو عسكرية أن تدعي العمل لصالح شعبها بينما تدفع به نحو الانتحار الجماعي تحت شعارات لفظية لم تعد تسمن ولا تغني من جوع أمام قصف الطائرات وجوع العائلات المشتتة في مراكز الإيواء وعلى الأرصفة.
إن حماية السيادة الوطنية لا تكون بتقديم المبررات للعدو ليدمر ما تبقى من مدن وبنى تحتية، بل بالعودة الفورية والصادقة إلى كنف الدولة اللبنانية، والتمسك بمؤسساتها العسكرية والأمنية الرسمية، وتطبيق القرارات الدولية، وإعلاء مصلحة اللبنانيين على أي اعتبار أو محور آخر.
الإنقاذ يبدأ الآن وليس غداً
إن من يريد إنقاذ لبنان وطائفته وشعبه، لا يطلق نداءات تدعو إلى مواصلة الصبر على الرماد والموت، بل يتحرك الآن وفوراً لوقف هذه المحرقة المدمّرة والكارثة الإنسانية غير المسبوقة.
الإنقاذ الحقيقي يبدأ بالانتقال من منطق «الساحة والمحور» إلى منطق «الوطن والدولة»، والاعتراف بأن تكرار المعادلات القديمة المتهالكة لم يعد صالحاً لواقع فرضت فيه التكنولوجيا العسكرية والقوى الدولية شروطاً مختلفة على الأرض.
لا يمكن لأي حركة سياسية أو عسكرية أن تدعي العمل لصالح شعبها بينما تدفع به نحو الانتحار الجماعي تحت شعارات لفظية لم تعد تسمن ولا تغني من جوع أمام قصف الطائرات وجوع العائلات المشتتة في مراكز الإيواء وعلى الأرصفة
على القيادات السياسية للمقاومة أن تدرك أن كرامة الشعوب لا تقاس بحجم الصواريخ أو بطول الخطابات الملحمية، بل بقدرة هذه القيادات على توفير الأمان والازدهار والتعليم والحياة الحرة والكريمة لأبنائها.
لقد آن الأوان لتغليب لغة العقل والواقع على لغة العاطفة والشعارات، والتعلم من التاريخ الإسلامي والوطني بجوانبه الشاملة التي تحمي الكيان وتحفظ الإنسان، فالحفاظ على بقاء الناس ووجودهم في أرضهم هو النصر الحقيقي، أما الإصرار على المضي في طريق مسدود، فليس سوى تدمير ممنهج لما تبقى من وطن وصناعة مستدامة للمأساة.

