تتسارع الخطوات الدبلوماسية والعسكرية في بيروت وواشنطن مع اقتراب موعد الاجتماع الأمني الرفيع المستوى المقرر عقده في مقر وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) يوم الجمعة المقبل، والموافق في 29 مايو (أيار)، والذي سيضم وفوداً عسكرية من لبنان، والولايات المتحدة، وإسرائيل.
وتكتسب هذه الجولة الأمنية أهمية استثنائية بالغة، كونهـا تتجاوز الطابع التقني المباشر لتشكل محطة مفصلية ودقيقة قد ترسم معادلات جديدة في المشهد اللبناني والإقليمي، وتفتح الباب أمام مرحلة مختلفة عنوانها إعادة تثبيت مرجعية الدولة، حيث باتت بيروت تدرك أنها أمام فرصة قد تكون الأخيرة لإثبات قدرتها على الإمساك بقرارها السيادي وترجمة تعهداتها إلى خطوات تنفيذية فعلية على الأرض، لا الاكتفاء بعرض الخطط النظرية.
جهوزية الوفد العسكري اللبناني وسقف الثوابت الوطنية
وأكدت مصادر لبنانية مطلعة أن هيكلية وتشكيل الوفد الأمني للمفاوضات قد اكتملت بالفعل، حيث يضم الوفد ما بين 4 و6 ضباط من الاختصاصيين في الجيش اللبناني، فيما أشارت مصادر وزارية لصحيفة «الشرق الأوسط» إلى أن العدد حُسم عند 4 ضباط، بانتظار صدور البرقية الرسمية بأسمائهم من قيادة الجيش في اليرزة.
وفي سياق متصل، أصدرت قيادة الجيش بياناً رسمياً ردت فيه على التقديرات والمغالطات الإعلامية التي تناولت طبيعة الوفد، وأكدت القيادة أن الحديث عن «التوزيع الطائفي للضباط أعضاء الوفد» هو أمر لا يمت إلى مبادئ وأسس المؤسسة العسكرية بصلة.
وشدد البيان على أن الوفد المشارك، على اختلاف تركيبته، يظل ملتزماً بالثوابت الوطنية، وأن الضباط المكلفين يمثلون الوطن بأسره وملتزمون بعقيدة الجيش، وينفذون قرارات القيادة انطلاقاً من الواجب الوطني.
أجندة الملف اللبناني والاشتراطات الإسرائيلية في البنتاغون
وأعد لبنان الملف التقني والميداني الذي سيحمله الوفد إلى طاولة البنتاغون، وتتكثف اللقاءات بين قصر بعبدا وقيادة الجيش لوضع اللمسات شبه النهائية عليه. وترتكز الإستراتيجية اللبنانية والنقاط المقابلة على الآتي:
- أولويات الوفد اللبناني:
سيشدد الوفد على أولوية الالتزام بوقف إطلاق النار، ومناقشة ملف احتلال إسرائيل لعدة قرى حدودية، والتشديد على ضرورة الانسحاب الفوري منها. كما سيجدد الوفد التزام الجيش بخطة حصر السلاح، وعرض ما تم إنجازه فعلياً من هذه الخطة في منطقة جنوب نهر الليطاني. - الترتيبات الأميركية وأجندة الاجتماع:
أفاد مراسل قناة «الجديد» في واشنطن بأن الترتيبات الأميركية أُنجزت بالكامل لاستقبال الوفود العسكرية في البنتاغون. وسيطرح الاجتماع آلية عملية لتثبيت وقف إطلاق النار وتمديده ميدانياً، وصياغة ترتيبات أمنية لمراقبة الخروقات وتحديد دور الجيش اللبناني. - الاشتراطات الإسرائيلية:
نقل مراسل «الجديد» أن إسرائيل تصر على أن يكون ملف «السلاح خارج إطار الدولة» هو الأولوية المطلقة في هذه المفاوضات. ويهدف الاجتماع عموماً إلى قياس مدى قدرة الطرفين على تنفيذ الترتيبات الميدانية قبل الانتقال إلى المباحثات السياسية المقررة في شهر حزيران المقبل.
خروقات ميدانية مستمرة وانتظار الرد عبر الوسيط الأميركي
وأشارت المصادر الوزارية لـ«الشرق الأوسط» إلى أن لبنان لا يزال ينتظر جواباً إسرائيلياً تنقله الولايات المتحدة، بناءً على طلب بيروت من واشنطن الضغط على تل أبيب للالتزام باتفاق وقف إطلاق النار. وأكدت المصادر أن إسرائيل لم تقدم إجابة بعد ولم تلتزم بالاتفاق؛ إذ تواصل خروقاتها المستمرة منذ إعلان الهدنة في 17 أبريل (نيسان) الماضي، والتي دخل تمديدها لمدة 45 يوماً إضافياً حيز التنفيذ يوم الاثنين.
ويتجلى عدم الالتزام الإسرائيلي في النقاط التالية:
- حصر التهدئة جزئياً:
يبدو أن تمديد اتفاق وقف إطلاق النار لستة أسابيع إضافية (والذي أقر بعد أول جلسة تفاوض مباشر في واشنطن الأسبوع الماضي) جاء محصوراً بمدينة بيروت وضاحيتها الجنوبية فقط، دون أن يشمل مناطق الجنوب التي تشهد تصاعداً لأعمدة الدخان جراء الغارات المستمرة وتبادل القصف بين «حزب الله» والجيش الإسرائيلي. - التدمير اليومي وإنذارات الإخلاء:
يواصل الجيش الإسرائيلي شن ضربات وعمليات نسف وتدمير ممنهج في القرى المحاذية للحدود التي تحتلها قواته، إلى جانب إصدار إنذارات إخلاء يومية اتسع نطاقها الجغرافي ليطال بلدات بعيدة عن الحدود، مكتظة بالسكان والنازحين.
حراك دبلوماسي خلف الكواليس ولقاءات بعبدا والسرايا
ومواكبةً للتحضيرات الجارية للمسارين الأمني والسياسي، شهدت المقار الرسمية حراكاً دبلوماسياً بعيداً عن الأضواء، والتقى السفير السابق سيمون كرم برئيس حكومة تصريف الأعمال الدكتور نواف سلام للتباحث في مستجدات الملف.
ونقلت صحيفة «نداء الوطن» أن السفير سيمون كرم زار قصر بعبدا بعيداً عن وسائل الإعلام واجتمع بالرئيس جوزاف عون، حيث جرى تقييم جلسات التفاوض السابقة ووضع رئيس الجمهورية في أجوائها، ومن ثم البدء بصياغة وإعداد إستراتيجية دقيقة للجولات التفاوضية المقبلة، نظراً لأن الملفات المطروحة على الطاولة ستكون معقدة وغير سهلة وتتطلب خبرة ودراسة عميقة.
تحذير فرنسي حاد من المساس بوحدة لبنان
في موازاة الدور الأميركي، تتابع باريس دقة المرحلة وحساسيتها، حيث أطلق الموفد الخاص للرئيس الفرنسي إلى لبنان، جان إيف لودريان، تحذيراً شديد اللهجة عبر مقابلة مع قناة «بي إف إم تي في» وإذاعة «آر إم سي»، مؤكداً أن لبنان «في وضع خطير للغاية» يهدد وحدته وسلامة أراضيه.
واعتبر لودريان أن سلامة الأراضي اللبنانية مهددة بشكل مباشر، لكون إسرائيل تحتل جزءاً من الأراضي في الجنوب، بينما ينشط «حزب الله» في جزء آخر خدمةً للمصالح الإيرانية، التي وصفها بأنها «مصالح قوة أجنبية»، مشيراً إلى انقسام المكونات اللبنانية الحاد حيال الطرفين.
رغم هذا التوصيف القاتم، رحب الموفد الفرنسي باستمرار المحادثات والهدنة القائمة، معتبراً أنها تتيح «أفقاً» يمتد لـ 45 يوماً لمواصلة النقاش والبحث عن تسوية تنهي هذا النزاع.

