أصدرت إدارة ترامب في 25 نوفمبر 2025 وثيقة بعنوان “استراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة الأمريكية 2025”، وهي تعدّ خارطة طريق رسمية لسياسات واشنطن في المجالات الأمنية والدوليّة في المرحلة القادمة، وتشير بوضوح إلى ما تعتبره تهديداً وما تعتبره فرصاً، والوثيقة ليست مجرد ورقة بحثية او اطارا لعصف فكري، بل تصلح أكثر كخارطة تحليل للمصالح الأميركية المباشرة وهي وثيقة لا تعبر عن قيادة نظام دولي مشترك، بل تمثل تحولاً جوهريّاً في فهم الإدارة الأميركية لموقعها في العالم. وأبرز سمات هذا التحول هي :
1) تركيز على السيادة الوطنية والمصالح الأميركية المباشرة أولاً بدل تبني قواعد القانون الدولي الليبرالي، أو التزامات متعددة الأطراف، او الدفاع عن قيم الديمقراطية، وعن حقوق الانسان، والتي كان يرفعها الغرب ستارا لسياسات الدفاع عن مصالحه بمزاعم اخلاقية ومعيارية. وتعدّل الاستراتيجية الجديدة أولويات التهديدات وتراتبيتها نحو منافسين اقتصاديين وثقافيين (مثل الصين) وأحياناً تُشكّك في قيمة الحلفاء.
لم يعد صراع الغرب واميركا مع الصين “صراع قيم” بل صراع مصالح استراتيجية واقتصادية، ولذلك فسياسات ترامب الخارجية تجاه الصين هي مزيج من التنافس العسكري مع الصين (دعم الحلفاء في آسيا) مع محاولة الحفاظ على روابط اقتصادية ونفوذ أميركي في مناطق استراتيجية
2) اعتبار أن الهجرة والقضايا الثقافية قد تشكل تهديداً للأمن القومي بقدر التهديدات التقليدية، وهو تحول كبير في السياسة الاميركية التي قامت تاريخيا على استقدام المهاجرين وادماجهم بالحلم الاميركي، ويعكس شعار مواجهة الهجرة، ومجموعة السياسات والاجراءات التي رافقتها كبناء حائط على الحدود المكسيكية، وسياسات ترحيل المهاجرين غير الشرعيين، والحد من تدفق الجاليات الكاثولكية من ابناء اميركا اللاتينية والمكسيك الى الولايات المتحدة، يعكس مدى ذعر الاكثرية الانجيلية الاوروبية البيضاء وخوفها من تنامي وزن الملونين والاسبان اللاتنيين في الحياة السياسية والاقتصادية الاميركية.
إقرأ أيضا: نعيم قاسم يهدد بحرب إقليمية: حين يُختطف لبنان رهينةً لعقيدة الولي الفقيه
3) إعادة تعريف علاقة واشنطن مع الحلفاء التقليديين، خصوصاً في دول غرب أوروبا، ليس كشركاء بل كأطراف تخضع لتقييم مصالح أميركا أولاً. وتعيد ترتيب التحالفات بمعايير التكافؤ والمصلحة الاقتصادية حصراً.
4) تأكيد أن الولايات المتحدة لن توسع حلف شمال الأطلسي، وهو ما يضع سقفاً مانعاً لطموحات أوكرانيا في الانضمام اليه، وقد ظهرت مفاعيل هذه الاستراتيجية بسياسات ترامب الدولية وبالسياسات التي ذكرناها سابقاً في المقالة الماضية : مثل انسحاب واشنطن من هيئات الأمم المتحدة، وضغوطها على أوروبا، ومواقفها في أوكرانيا وفنزويلا وغرينلاند وكندا. و عليه فأن ما فعله ترامب من سياسات خارجية غير تقليدية كانت امتدادا طبيعيا لما صرّحت به الإستراتيجية، وليست سياسات منفصلة عنها.
5) ما علاقة الإستراتيجية بمواجهة الصين؟
تعتبر الوثيقة ان الصين هي التحدي الأكبر في المرحلة القادمة، وتعتبرها منافساً قوياً يسعى إلى تغيير النظام الدولي لصالحه. وتتجه السياسة الأميركية إلى احتواء نفوذ الصين لكن من دون الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة بالضرورة؛ وتعتمد المزاوجة بين المنافسة الاقتصادية والمواجهة الأمنية والتجارية. وتركز الوثيقة على ضرورة تقليص الاعتماد الأميركي على الصين في سلاسل التوريد والتكنولوجيا الاستراتيجية، خاصة في مجالات مثل الشرائح الإلكترونية والتقنيات المتقدمة. كما تقدّر الإستراتيجية أهمية الحفاظ على الوضع القائم في مضيق تايوان وتستخدم ذلك كإحدى نقاط الضغط المركزية في العلاقة مع بكين.
اعتبار أن الهجرة والقضايا الثقافية قد تشكل تهديداً للأمن القومي بقدر التهديدات التقليدية، وهو تحول كبير في السياسة الاميركية التي قامت تاريخيا على استقدام المهاجرين وادماجهم بالحلم الاميركي، ويعكس شعار مواجهة الهجرة
الإستراتيجية تولّد نسخة من المنافسة مع الصين أكثر واقعية، بعد فشل ترامب باخضاع الصين من خلال رفع الرسوم الجمركية على صادراتها للولايات المتحدة، وبعد نجاح الصين بالاستحواذ على غالبية مصادر المعادن والاتربة النادرة الضرورية للمنافسة في التقنيات الجديدة.
لم يعد صراع الغرب واميركا مع الصين “صراع قيم” بل صراع مصالح استراتيجية واقتصادية، ولذلك فسياسات ترامب الخارجية تجاه الصين هي مزيج من التنافس العسكري مع الصين (دعم الحلفاء في آسيا) مع محاولة الحفاظ على روابط اقتصادية ونفوذ أميركي في مناطق استراتيجية.
6) ما علاقة الإستراتيجية بمواجهة إيران؟
في ملف إيران، تتبنى الإستراتيجية نهج الاحتواء والضغط الاقتصادي وصولا الى الحرب المحدودة. وتمت الاشارة في وثيقة الأمن القومي إلى إيران كـ تهديد يجب احتواؤه وتفكيك تاثيراته وادواره، وهو تحول عن الخطابات التقليدية التي كانت تصفها كأولوية أمنية قصوى، فبعد تَركّيز السياسة الاميركية السابقة على الضغط الاقتصادي والعقوبات والتقويض المالي تجاه طهران بدلاً من المواجهة العسكرية المباشرة. فقد تجدد فرض عقوبات أميركية ضد شخصيات إيرانية وشبكات مالية، كما تم فرض رسوم جمركية على كل من يتعامل مع إيران بنحو يساهم في بقاء اقتصادها.
الإستراتيجية تتعامل مع إيران بتوازن بين الضغط وفتح المجال لاستدراج الرضوخ والتنازلات، وهو ما يفسر استراتيجية ترامب التي تبدو أحياناً عدوانية لفظياً، لكنها تبقي المواجهة العسكرية المباشرة كآخر خيار يمكن اللجوء اليه.
تمت الاشارة في وثيقة الأمن القومي إلى إيران كـ تهديد يجب احتواؤه وتفكيك تاثيراته وادواره، وهو تحول عن الخطابات التقليدية التي كانت تصفها كأولوية أمنية قصوى
7) ما هو المطلوب اميركياً من ايران؟
لقد تضرر البرنامج النووي الايراني ضرّرا فعلياً وليس إعلاميا، وما جرى ليس مجرد “تأخير تقني” ؛ فقد ضُربت منشآت أو عُطّلت، بوسائل عسكرية، سيبرانية، واستخباراتية. وتم تفكيك شبكات توريد، واُخرجت عقول علمية من المعادلة. وباتت منظومة القرار النووي مكشوفة ومخترقة.
بالمعنى الاستراتيجي، إيران لم تعد على “عتبة نووية مستقرة” بل على عتبة هشّة، قابلة للنسف في أي لحظة، واية قفزة نووية جديدة ستكون مكلفة ومفضوحة وسريعة الإجهاض. و إيران غير قادرة على حرب شاملة… وهذه ليست نقطة ضعف بل حقيقة بنيوية، وليس لها قدرة عسكرية على مواجهة إسرائيل تقليدياً. كما لا قدرة جوية أو بحرية على تحدي دول الخليج العربي سوى باضرار جزئية وموضعية. وإقتصادها لا يحتمل تعبئة طويلة، والمجتمع فيها منهك، ومفكك، وغير قابل للتعبئة العقائدية الواسعة.
ما تستطيع فعله إيران هو فقط إزعاج، عمليات ايذاء وتشويش، ضربات موضعية. وهذه أدوات دولة في موقع دفاعي، وليست وسائل دولة تتجه للانتصار، لأن “ ظهر النظام إلى الحائط ” وهو في أخطر لحظة… لا أقواها، النظام لا يستطيع تقديم تنازلات إضافية، لا لأنّه قوي، بل لأن أي تنازل داخلي سيؤدي الى تسارع تفككه، وأي تنازل خارجي سيعني انهيار سردية“ الصمود ”، وسيشكل أي تفاوض جديد اعترافا عمليا بالهزيمة.
إيران لم تعد على “عتبة نووية مستقرة” بل على عتبة هشّة، قابلة للنسف في أي لحظة، واية قفزة نووية جديدة ستكون مكلفة ومفضوحة وسريعة الإجهاض. و إيران غير قادرة على حرب شاملة
النظام المحاصر ملزم بان يختار المواجهة، لا لأنه يظن أنه سينتصر، بل لأنه يعرف أن عدم المواجهة تعني سقوطاً بطيئاً ومذلاً، لذلك تبدو المواجهة مرجّحة… رغم أنها خاسرة؟ لأن كل البدائل أسوأ من الهزيمة العسكرية، المواجهة هنا وظيفتها داخلية قبل أن تكون خارجية : تعليق الفشل على “عدوان خارجي”، من اجل تأجيل الانفجار الاجتماعي الداخلي..
إقرأ أيضا: سقوط إيران وحلفائها: هل يترك فراغاً إقليمياً؟
الهزيمة ستكون تراكمية، متعددة الجبهات، قصيرة الضجيج، طويلة الأثر، ضربات تكشف عجز الدولة، تعري هشاشة الحلفاء، تُسقط وهم السيطرة الإقليمية، بعد ذلك يبدأ الانهيار من الداخل، لا من السماء.
إيران لم تعد مشروع قوة صاعدة، بل نظام إدارة خسائر. لا قدرة لها على نصر عسكري، لها قدرة فقط على إحداث أذى، المواجهة قادمة ليس لأنها رابحة، بل لأنها المخرج الوحيد المتبقي لنظام محاصر، الهزيمة لن تكون استسلاماً، بل تفككاً تدريجياً للقدرة والشرعية معاً.

