86 توقيعًا: عندما يتكلّم البرلمان بلغة القانون..

في البلدان التي تحترم مؤسساتها، لا تُقاس السياسة بارتفاع الصوت، بل بقدرتها على إنتاج المبادرات. فالكلمة التي تتحول إلى وثيقة، والفكرة التي تجمع المختلفين، أبلغ أثرًا من عشرات الخطب التي تنتهي بانتهاء التصفيق.
من هنا، تستحق المبادرة التي حملت توقيع ستة وثمانين نائبًا، والموجّهة إلى مجلس الأمن للمطالبة بتجديد ولاية قوات «اليونيفيل» وتعزيز قدرتها على تنفيذ مهامها، أن تُقرأ من زاوية أوسع من مضمونها السياسي. فالاتفاق أو الاختلاف حول دور «اليونيفيل» أو القرار 1701 حقٌّ مشروع، لكن الأهم هو الطريقة التي وُلدت بها هذه المبادرة.

ملحم خلف والجهد القانوني
في قلب هذا الجهد يقف النائب ملحم خلف، الذي اختار مرة جديدة أن يمارس السياسة من داخل المؤسسات. لم يكتفِ بإعلان موقف أو تسجيل اعتراض، بل صاغ فكرة في قالب قانوني، واستند إلى القرارات الدولية، ثم حملها إلى زملائه نائبًا نائبًا، حتى نجح في جمع ستة وثمانين توقيعًا عليها. وهذه ليست مسألة شكلية، بل دليل على أن العمل الهادئ، القائم على الحوار والإقناع، لا يزال قادرًا على صناعة التوافق، حتى في بلد أنهكته الانقسامات.
لقد اعتاد اللبنانيون أن يروا مجلس النواب ساحةً للاشتباك السياسي، فإذا بهذه المبادرة تذكّرهم بأنه يستطيع أيضًا أن يكون مساحةً لإنتاج موقف مؤسساتي، يخاطب العالم بلغة القانون، لا بلغة المزايدات.
ولعل أجمل ما في هذه الخطوة أنها أعادت الاعتبار لفكرة كثيرًا ما غابت عن حياتنا العامة: أن السياسة ليست صراعًا دائمًا، بل هي أيضًا فنّ بناء المشتركات. فحين يجتمع هذا العدد الكبير من النواب على وثيقة واحدة، فإن الرسالة لا تقتصر على مضمون الكتاب، بل تمتد إلى صورة البرلمان نفسه، وإلى قدرته على التعبير عن إرادة وطنية عندما تتقدم لغة الدولة على لغة الاصطفاف.

احترام المؤسسات
لبنان اليوم أحوج ما يكون إلى هذا النوع من العمل. أحوج إلى من يبادر بدل أن يكتفي بالتعليق، وإلى من يصوغ الأفكار في مشاريع ووثائق، بدل أن يحبسها في دائرة الشعارات. فالدول تُبنى بالتراكم، وبالاجتهاد الهادئ، وبالعمل الذي يحترم المؤسسات، لا بضجيج اللحظة.
قد يختلف الناس حول هذه المبادرة، كما يختلفون حول كثير من القضايا الوطنية، لكن من الصعب أن يختلفوا على قيمة أن يعود البرلمان إلى ممارسة دوره الطبيعي: أن يفكر، وأن يقترح، وأن يكتب، وأن يخاطب العالم باسم القانون.
عندما يحدث ذلك، لا يكون الرابح نائبًا بعينه، ولا فريقًا سياسيًا بعينه، بل تكون الرابحة هي فكرة الدولة نفسها.

السابق
​«المؤبد المشدد».. السلطة تخترع «الإعدام» بإسم آخر