نعيم قاسم يهدد بحرب إقليمية: حين يُختطف لبنان رهينةً لعقيدة الولي الفقيه

جاد الاخوي

لم تعد تصريحات الأمين العام لـ«حزب الله» الشيخ نعيم قاسم مجرد مواقف سياسية أو رسائل ردع محسوبة، بل باتت إعلاناً صريحاً بأن لبنان يُدار كجبهة متقدمة في مشروع إقليمي لا علاقة له بمصالح اللبنانيين ولا بحدود دولتهم ولا بمصيرهم المنهك. فالقول الواضح: «لسنا حياديين في أي مواجهة ضد إيران»، ليس رأياً، بل إلغاء رسمي لحياد لبنان، وسيادته، وحق شعبه في عدم الانتحار الجماعي.

بهذه العبارة، يضع قاسم البلاد أمام معادلة خطيرة: إما أن يُستهدف لبنان دفاعاً عن إيران، أو يُستهدف لبنان لأنه قرر حزب واحد أن يكون جزءاً من حربها. وفي الحالتين، لا رأي للدولة، ولا قرار للمؤسسات، ولا وزن للدستور، ولا مكان لملايين اللبنانيين الذين لا يريدون أن يموتوا من أجل خامنئي، ولا أن تتحول قراهم ومدنهم إلى ساحات تصفية حسابات بين واشنطن وطهران.

من “المقاومة” إلى الوصاية العقائدية
الأخطر في خطاب قاسم لا يكمن فقط في التهديد العسكري، بل في اللغة العقائدية التي يستخدمها لتبرير هذا التهديد. حين يصف علي خامنئي بأنه «نائب الإمام المعصوم»، فهو لا يخاطب جمهوره فقط، بل يعلن بوضوح أن الولاء السياسي والعسكري والديني للحزب يتجاوز لبنان ويتقدّم عليه.

إقرأ أيضا: الميكانيزم.. «كوخ في غابة الوحوش»!

هذا ليس خطاب مقاومة وطنية، بل خطاب ولاية فقيه مكتملة الأركان، يضع مرجعاً دينياً – سياسياً في دولة أخرى، فوق الدولة اللبنانية، وفوق مؤسساتها، وفوق شعبها بكل طوائفه، بل وفوق الشيعة أنفسهم الذين يُختزلون قسراً بهذا التوصيف.

هنا، لا تعود المسألة مسألة تضامن مع إيران، بل مصادرة قرار الحرب والسلم باسم عقيدة لا يؤمن بها اللبنانيون مجتمعين، ولا حتى جميع الشيعة اللبنانيين.

“لسنا حياديين”… ومن فوّضكم؟
السؤال الجوهري الذي يتجاهله قاسم عمداً: من أعطاكم حق إعلان عدم حياد لبنان؟
من فوضكم التحدث باسم بلدٍ منكوب، منهار اقتصادياً، مدمَّر مؤسساتياً، يرزح تحت فقر غير مسبوق، ويعاني من عزلة عربية ودولية خانقة؟

أي منطق هذا الذي يرى في إشعال المنطقة «رداً طبيعياً» على استهداف إيران، بينما لم يُسأل اللبنانيون إن كانوا يريدون أن تُشعل حياتهم ومستقبل أولادهم ومدخراتهم الهزيلة مرة جديدة؟

التلويح بأن أي حرب على إيران ستشعل المنطقة ليس تحليلاً استراتيجياً، بل تهديدا وقحا، مفاده: إذا ضُربت طهران، فسنحرق بيروت والجنوب والبقاع، ونجرّ لبنان قسراً إلى المعركة.

تهديد الاستقرار باسم “الدفاع”
يتحدث قاسم عن “الدفاع”، لكنه لا يشرح: الدفاع عمّن؟ وعن ماذا؟
هل الدفاع عن إيران هو دفاع عن لبنان؟
هل الدفاع عن المرشد الأعلى هو دفاع عن الجنوب الذي لم يُعمر بعد من آثار الحروب السابقة؟
هل الدفاع عن مشروع إقليمي فشل في إنقاذ شعوبه، هو دفاع عن دولة تتآكل يومياً؟

الواقع أن هذا الخطاب لا يحمي لبنان، بل يضعه في مرمى النار مسبقاً. هو خطاب استدعاء للعقوبات، واستدعاء للضربات، واستدعاء للمواجهة، في لحظة تاريخية لا يملك فيها البلد أي قدرة على الاحتمال.

اللعب على حافة الهاوية
الأكثر فجاجة هو التعامل مع الحرب كخيار مفتوح، وكأنها ورقة تفاوض أو أداة ضغط. لكن من يدفع الثمن؟
ليس قادة الحزب المحصنون، ولا مراكزه، ولا منظومته الاقتصادية الخاصة.
الثمن يدفعه الناس: بيوتهم، أرزاقهم، مستقبلهم، وحقهم في حياة طبيعية.

كل تجربة لبنان مع حروب “المحاور” تقول شيئاً واحداً: الحزب يقرر، والدولة تُهمّش، والشعب يُدمَّر.

رسالة إلى اللبنانيين الشيعة
هذا الخطاب لا يهدد فقط “الآخرين”، بل يضع الطائفة الشيعية نفسها في مواجهة مفتوحة مع محيطها العربي والدولي، ويختزلها مرة جديدة بدور الجبهة المتقدمة لمشروع لا يملك إجماعاً حتى داخل بيئته.

إقرأ أيضا: سقوط إيران وحلفائها: هل يترك فراغاً إقليمياً؟

ليس كل شيعي جندياً في ولاية الفقيه، وليس كل شيعي مستعداً للموت دفاعاً عن خامنئي، وليس كل شيعي يقبل أن يُستَخدم وقوداً لحرب إقليمية.

اذا ،لبنان ليس ساحة
تصريحات نعيم قاسم ليست تحذيراً، بل إعلان نية خطير. نية إخراج لبنان من أي هامش نجاة، وربطه مصيرياً بمواجهة لا قرار له فيها ولا قدرة على تحمل نتائجها.

لبنان ليس إيران.
لبنان ليس جبهة.
لبنان ليس عقاراً في مشروع إقليمي.

ومن يصرّ على التعامل معه كذلك، يتحمّل المسؤولية السياسية والتاريخية والأخلاقية عن كل ما قد يأتي.

أما اللبنانيون عامة والطائفة الشيعية خاصة،فآن لهم أن يقولوا بوضوح: لسنا حياديين فقط… نحن رافضون أن نموت في حرب غيرنا وبالتحديد في حرب إسناد لغيرنا.

السابق
لبنان في مهب «وحدة الساحات»: هل يكتب نعيم قاسم سيناريو الانتحار الوطني؟
التالي
مسيرة إسرائيلية تستهدف بلدة علي الطاهر والجيش الاسرائيلي يزعم استهداف عنصرين من «الحزب»