لبنان في مهب «وحدة الساحات»: هل يكتب نعيم قاسم سيناريو الانتحار الوطني؟

نعيم قاسم وخامنئي

في اللحظة التي يلهث فيها لبنان خلف بصيص أمل دبلوماسي لوقف نزيف الدماء والدمار، وتنشط فيها السفارة الأميركية بين بيروت وعمان وتل أبيب لتثبيت “سلام مستدام”، خرج الأمين العام لـ”حزب الله”، الشيخ نعيم قاسم، بخطاب يعيد عقارب الساعة إلى الوراء، بل ويدفعها نحو الهاوية. بتصريحه أن الحزب “ليس حيادياً” في أي مواجهة بين واشنطن وطهران، وأن “سلامة المرشد” خط أحمر إقليمي، يضع قاسم لبنان أمام مقصلة “حرب إسناد” جديدة، تبدو في معطياتها أكثر تدميراً وعبثية من سابقاتها.

تغليب “الارتباط الإقليمي” على “السيادة الوطنية”

الإشكالية البنيوية في خطاب قاسم تكمن في تجريد الدولة اللبنانية من أدنى مقومات قرارها السيادي. فبينما يتحدث الرئيس جوزيف عون عن نشر الجيش اللبناني جنوب الليطاني وحصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية تطبيقاً للقرار 1701، يأتي خطاب الحزب ليعلن صراحة أن بوصلة السلاح لا تتحدد في بيروت، بل في طهران.

هذا الربط العضوي بين أمن الضاحية وأمن طهران يحوّل لبنان من دولة تسعى للاستقرار إلى “منصة صواريخ” متقدمة، وظيفته الوحيدة هي امتصاص الضربات عن العمق الإيراني. النقد هنا لا يطال العقيدة الدينية، بل التوظيف السياسي الذي يجعل من دماء اللبنانيين “عملة صعبة” في بازار المفاوضات الإيرانية-الأميركية.

“حرب الإسناد”: تجربة الفشل المكرر

لقد اختبر لبنان منذ أكتوبر 2023 مرارة “حرب الإسناد” التي فُرضت عليه تحت ذريعة تخفيف الضغط عن جبهات أخرى. وكانت النتيجة كارثية: قرى حدودية سويت بالأرض، مئات الآلاف من المهجرين، واقتصاد منهار لم يعد قادراً على تحمل تكلفة “كيس طحين” فضلاً عن تكلفة حرب إقليمية. واليوم، حين يلوح قاسم بالدخول في مواجهة لأجل إيران، فإنه يتجاهل حقيقة أن لبنان لم يعد يملك “رفاهية الصمود”.

إن الدعوة لحرب إسناد جديدة للدفاع عن “المرشد” هي مقامرة بمصير شعب بأكمله، وإقحام لبلد منهك في صراع تكنولوجي وعسكري غير متكافئ، خاصة مع وصول تعزيزات أميركية ضخمة مثل “أبراهام لينكولن” ومقاتلات F-15 التي تراقب المنطقة على مدار الساعة.

سقوط معادلة الردع وهيبة الدولة

يروج خطاب الحزب لفكره “هجمات الإغراق” بالمسيرات الرخيصة كبديل للردع التقليدي، وهو ما قد يكون فعالاً في حرب العصابات، لكنه ينتج أثراً عكسياً على مستوى الدولة.

إقرأ أيضا: الميكانيزم.. «كوخ في غابة الوحوش»!

إن استدراج القوة التدميرية الأميركية والإسرائيلية إلى الساحة اللبنانية بحجة الدفاع عن إيران ينسف أي شرعية لمطالبة المجتمع الدولي بحماية لبنان. فكيف يمكن للعالم أن يدافع عن بلد يعلن فصيل فيه أنه جزء لا يتجزأ من منظومة دفاعية لدولة أخرى؟ هذا الموقف لا يحمي إيران، بل يشرع الأبواب اللبنانية أمام “الاعتداءات الإسرائيلية” التي تجد في تصريحات قاسم الذريعة الذهبية لمواصلة تدمير ما تبقى من البنية التحتية اللبنانية.

الانقسام الداخلي: العزلة القاتلة

على المستوى الداخلي، يمثل هذا التوجه ضربة قاضية لـ”الوفاق الوطني”. فالشريحة العظمى من اللبنانيين، بمختلف طوائفهم، ترفض أن يكون لبنان “صندوق بريد” أو “كبش فداء”.

خطاب نعيم قاسم يعمق الشرخ بين الحزب وبيئته وبين شركائه في الوطن الذين يرون أن أولويتهم هي “لبنان أولاً”، وليس الدفاع عن شخصيات أو أنظمة خارج الحدود. هذه العزلة الداخلية، مضافاً إليها العزلة الدولية التي يكرسها خطاب “اللا حياد”، تجعل من الدولة اللبنانية كياناً منبوذاً يفتقر للحماية السياسية والقانونية في المحافل الدولية.

الخاتمة: هل من طريق للعودة؟

إن النقد الموجه لمواقف الشيخ نعيم قاسم ينبع من الخوف على ما تبقى من “فكرة لبنان”. إن ربط مصير قرى الجنوب والبقاع والضاحية بسلامة المرشد الإيراني هو اختزال مهين للسيادة اللبنانية. لبنان بحاجة إلى “حرب إعمار” و”جبهة دبلوماسية” لاستعادة حقوقه، وليس إلى “حرب إسناد” جديدة تورطه في صراع محاور لا ناقة له فيها ولا جمل. إن القرار اليوم يتجاوز حدود المناورة العسكرية؛ هو قرار بين البقاء كدولة ذات سيادة، أو الذوبان كملحق عسكري في إمبراطورية إقليمية، يدفع المواطن اللبناني ثمن بقائها من أمنه، ومستقبله، ودمائه.

السابق
بدّك تسند يا شيخ نعيم؟.. قبل المحاور اسند مخازنك وأنفاقك والمنطق إن وُجد
التالي
نعيم قاسم يهدد بحرب إقليمية: حين يُختطف لبنان رهينةً لعقيدة الولي الفقيه