أقام منتدى “جنوبية” لقاءً حواريًا بعنوان “الفلسطينيون في لبنان: حصرية السلاح، الحقوق المدنية، والاعتراف بدولة فلسطين”، استضاف خلاله رئيس لجنة الحوار اللبناني–الفلسطيني السابق الدكتور حسن منيمنة، وذلك في مكتب جنوبية في بيروت، يوم الثلاثاء في 30 أيلول الجاري. افتتح الندوة وأدارها الأستاذ نجيب العطار، الذي رحّب بالحضور مثنيًا على الدور الفكري والوطني المميّز للدكتور منيمنة، قبل أن يفسح المجال أمامه لبدء مداخلته.
وشهد اللقاء حضور عدد من الصحافيين والإعلاميين والشخصيات السياسية والفكرية، من بينهم: وجيه قانصو، علي الأمين، حارث سليمان، ساطع نور الدين، وسام الأمين، نبيل مملوك، علي أشمر، عبد الرحمن بحصلي، مجيد مطر، نضال أبو شاهين، حسن فحص، بسام حبيشي، زهير هواري، عبد الله رزق، وزينب مروة.

تساؤلات وإشكاليات النقاش
في مستهلّ اللقاء، قدّم الأستاذ نجيب العطار عرضًا لمسيرة وزير التربية السابق الدكتور حسن منيمنة وإسهاماته في الشأن العام، قبل أن يتطرّق إلى الإشكاليات المطروحة في الندوة وما تحمله من أسئلة مفتوحة على الواقع السياسي الراهن. ووضع العطار القضايا الأساسية للنقاش على طاولة البحث والتفكير، مشيرًا إلى أنّ القضية الفلسطينية، التي جرى تنصيبها منذ عام 1948 بوصفها القضية المركزية للعرب، يمكن النظر إليها اليوم بوصفها معضلة عربية شاملة.
وفي سياق تساؤلاته، دعا العطار إلى التأمل في معنى “الوجود السياسي للعرب”، متسائلًا: “ما المقصود بأن تكون للعرب قضية مركزية؟ وهل يصحّ أصلًا الحديث عن اقتصاد عربي أو أمن قومي عربي؟”.
واعتبر العطار أنّ مناقشة المسائل المتعلّقة بالشعب الفلسطيني لا يمكن فصلها عن البعد الجغرافي، إذ تتعدّد قضايا الفلسطينيين وتختلف بحسب أماكن وجودهم. فالفلسطينيون في لبنان، على سبيل المثال، لهم شؤونهم الخاصة التي قد تختلف عن أوضاع الفلسطينيين في سوريا أو الأردن أو غيرها من الدول.
واستطرد العطار قائلًا إنّ شؤون الفلسطينيين في لبنان تُعدّ الأكثر تعقيدًا وحساسية، نظرًا لعوامل عدّة، أبرزها تشابك المشهد السياسي اللبناني وتعقيداته. كما طرح العطار مجموعة من الأسئلة على الوزير منيمنة، من بينها: كيف سيؤثّر نزع السلاح الفلسطيني من المخيّمات على الواقع الأمني والمعيشي للاجئين؟ وهل ستتغيّر علاقة اللاجئين الفلسطينيين مع اللبنانيين بمختلف أطيافهم بعد تنفيذ هذا القرار؟
وأشار أيضًا إلى اعتراف عدد من كبرى الدول بدولة فلسطين، مقارنًا بين ما قبل السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 وما بعده، وما خلّفه هذا التحوّل من انعكاسات على الأوضاع الراهنة وتأثيراتها على الفلسطينيين في لبنان.

175 ألف فلسطيني في لبنان
خلال فترة ترؤس الدكتور حسن منيمنة لجنة الحوار، وبالتكليف من الحكومة اللبنانية آنذاك، وبالتعاون مع إدارة الإحصاء المركزي اللبناني والجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، صدر أول إحصاء رسمي للفلسطينيين في لبنان تحت عنوان: “التعداد العام للسكان والمساكن في المخيمات والتجمعات الفلسطينية”.
وأثار هذا الإحصاء جدلًا واسعًا في لبنان، خصوصًا حول توقيته وأهدافه. فقد اعتبره البعض خطوة نحو التوطين، فيما رفض آخرون نتائجه، معتبرين أنها لا تعكس الواقع بدقة.
وكان اللافت في الإحصاء عدد اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، الذي قدّر بنحو 174 ألف لاجئ موزعين على 12 مخيمًا و156 تجمعًا فلسطينيًا على امتداد الأراضي اللبنانية، حيث بلغت نسبة التوزيع: صيدا حوالي 35%، الشمال حوالي 25%، وصور حوالي 15%. ويُشير مصطلح “التجمع” هنا إلى تواجد أكثر من 15 أسرة في منطقة واحدة، حي، أو شارع.
غياب التشريعات اللبنانية
وأشار منيمنة في حديثه إلى أنّ “عمل كل دولة مرتبط بالتشريع، لأن التشريع هو المنظّم لعلاقة الدولة بمواطنيها وبالمقيمين على أراضيها، فالتشريع يحدّد الحقوق والواجبات للمواطنين وكذلك الحقوق والواجبات للدولة”. وأكد أنّه فيما يخص الموضوع الفلسطيني، هناك “غياب للتشريع اللبناني، فلا توجد تشريعات تنظم علاقة الدولة باللاجئ الفلسطيني”.
وبيّن أن الدولة اللبنانية أصدرت تشريعين فقط في هذا المجال: الأول صدر عام 1984، عندما أنشأت الحكومة اللبنانية في عهد بشارة الخوري لجنة للاهتمام بالقادمين الفلسطينيين من فلسطين، والتي تحوّلت تدريجيًا إلى دائرة ضمن وزارة الداخلية لمتابعة شؤون الفلسطينيين في لبنان. أما التشريع الثاني فكان عقب اتفاق القاهرة عام 1969، حيث شرّع السلاح الفلسطيني ونظّم إدارة المخيمات، معترفًا باللجان الشعبية الفلسطينية كجهة مسؤولة عن تيسير الأعمال وتنظيمها والاهتمام بشؤون اللاجئين داخل المخيمات.

لا تعريف للاجئ الفلسطيني
ولفت منيمنة إلى أنّ “لا ذكر لمصطلح اللاجئ الفلسطيني في التشريع اللبناني، فهو إما يُدرج تحت خانة الأجانب أو خان العرب، وفي الفترة الأخيرة صار يعرف عنه بتعبير حامل جنسية دولة غير معترف بها، مما يعني قطعًا عدم القدرة على منح الفلسطيني أي شيء لأنه يعني توطينه”.
وأشار إلى أنّ هذا الإطار القانوني أدى إلى سحب بعض الحقوق التقليدية للفلسطينيين، خصوصًا في مجال التملّك، مؤكدًا أن الفلسطينيين قد كانوا قادرين على التملك سابقًا تحت خانة حصة العرب من التملك، لكن التعديلات القانونية التي أُدخلت عام 2000 قيّدت هذه القدرة بشكل كبير، مما حدّ من إمكانية التملك لهم في لبنان.
اللاجئون الفلسطينيون ضحية الأهواء السياسية
يشرح منيمنة أنّ كل ما ينظّم حياة الفلسطينيين وعلاقاتهم مع الدولة يصدر عبر طريقتين رئيسيتين: “المراسيم الوزارية وقرارات الوزراء، ونحن نعلم أن الطريقين قابلان للتعديل مع كل حكومة جديدة، والتي تخضع لأهواء سياسية وانتماءها وانتماء وزرائها”.
واستدل منيمنة على ذلك من خلال قرارات وزارة العمل، مشيرًا إلى أنّ كل وزير عمل جديد يقوم بتغيير عدد المهن المسموح للفلسطينيين العمل بها، بحيث يوسّع أو يضيّق كل وزير المجال الحياتي أمام الفلسطينيين وفق رؤيته وتوجّه حكومته.
الدولة اللبنانية لا يعنيها موضوع اللاجئين
عادةً، عندما لا تذكر تشريعات الدول أو قوانينها أمرًا معينًا، فإنها تستند إلى التشريعات الدولية مثل شرعة حقوق الإنسان وحقوق المرأة وغيرها من القرارات والقوانين الدولية. وهناك أيضًا قرارات تتعلق بحقوق اللاجئين صادرة عن الأمم المتحدة عام 1951، إلا أنّ لبنان اعترض على الاتفاقية ولم يوقّع عليها. كما صدرت وثيقة وافقت عليها جميع الدول العربية في كازابلانكا، تمنح اللاجئين حقوقهم المدنية في الدول المستضيفة، لكن لبنان لم يوقّع عليها.
وأوضح منيمنة أنّ الدولة اللبنانية لم تشرّع حقوق اللاجئين الفلسطينيين عمليًا، ولم تلتزم كذلك بالقرارات العربية والدولية. وأضاف أنّ الدولة اللبنانية لا يعنيها موضوع اللاجئين إلا في حال حدوث إشكالات أمنية، أما فيما يخص الموارد، فهناك حرمان شبه تام من المياه والكهرباء وغيرها، وكل ما يتمكن الفلسطينيون من تأمينه يعود إلى جهود فردية، القطاع الخاص، أو شبكات الدولة. ويرى أن الدولة اللبنانية تفضّل أن يعيش الفلسطينيون على هامش القانون، دون أن تقنّن وجودهم في العمل أو التملك أو غيرها من القطاعات.

قضية سياسية بامتياز
يكشف منيمنة أنّ الموضوع في نهاية المطاف لا يتعلق بمنافسة اللبنانيين أو أخذ أي شيء من دربهم، إذ إنّ العدد الإجمالي للعمال الفلسطينيين في لبنان لا يتجاوز 70 ألفًا. ويعتبر أنّ القضية سياسية في جوهرها وتتعلق بالتوطين فقط.
ويتساءل منيمنة: “من الذي بيده توطين الفلسطينيين؟ المجلس النيابي هو المخوّل بذلك، وإذا لم تكن الدولة اللبنانية تريد التوطين، فلا توجد قوة في العالم يمكنها فرض ذلك عليها”. ويشير إلى أنّ الدستور اللبناني واتفاق الطائف ينصان بوضوح على رفض التوطين، موضحًا أنّ “التوطين هو بعبع ليس إلا لعدم دمج الفلسطينيين في المجال العام اللبناني”. ويرى أنّ لا إصلاح في لبنان ممكن دون إلغاء الطائفية السياسية.
ويقسم منيمنة القوى السياسية اللبنانية إلى مجموعتين: الأولى معادية بشكل كامل لكل ما له علاقة بالفلسطينيين. أما الثانية، فهي تتعاطف مع القضية الفلسطينية، لكن هذا التعاطف لا ينعكس في الدفاع عن حقوق الفلسطينيين في لبنان، سواء في مجلس النواب، الحكومة، الوزارات، أو المرافق العامة، علمًا أنّ هذه الفئة تمثل الأغلبية داخل مجلس النواب والحكومة.
محاولات التوافق على تنظيم الوضع الفلسطيني
يتحدث منيمنة عن محاولات جمع القوى اللبنانية بغية التوصل إلى منظور موحد لتنظيم الوضع الفلسطيني في لبنان، مشيرًا إلى أنّ المقصود كان جمع جميع القوى الأساسية في البلاد، بما في ذلك الرؤساء، الوزراء، الزعماء، النواب، والأحزاب.
وأوضح أنّ التوصيات كانت تُرسل إلى المعنيين في رأس الهرم السياسي للموافقة عليها قبل إدراجها في المسودة، على أمل تفادي أي تراجع لاحق.
وأضاف أنّهم وصلوا إلى مجموعة من التفاهمات، كان أبرزها توصية تتعلق بالعمل. إلا أنّه عند عرض الوثيقة على مجلس الوزراء لإقرارها، تم سحب اليد منها والتنصل من مضامينها، علمًا أنّ الوزراء قد وقعوا عليها مسبقًا، بل إنّ بعضهم نقد الوثيقة إبان تسلم وزاراتهم ومارسوا عكس تعهدات الجهات السياسية التي يمثلونها.

حركة فتح متحمسة لتسليم السلاح
يؤكد منيمنة أنّ الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن) كان متحمسًا لتسليم سلاح المخيمات منذ سنوات طويلة، مشيرًا إلى أنّ هذه المحاولة ربما كانت تهدف إلى تعويض الخلل في التوازنات الداخلية داخل المخيمات في لبنان لصالح القوى المناوئة لحركة فتح.
ويطرح منيمنة سؤالًا مهمًا: “إذا سُحب السلاح من كل الفصائل الفلسطينية، هل يعطي هذا فرصة لمنظمة التحرير الفلسطينية لاسترجاع موقعها الأول في المخيمات، باعتبارها صاحبة التأثير المالي الأكبر مقارنة بحركة حماس وأشقائها؟”.
وأوضح أنّ حتى داخل حركة فتح هناك اتجاهات مختلفة حول مسألة سحب السلاح، وقد انعكس ذلك في تغيير عدة قيادات وإعفاء بعضهم من مهامهم، مثل السفير أشرف دبور.
وأشار إلى أنّ الرافضين لسحب السلاح لديهم مخاوف وهواجس من عودة زمن المكتب الثاني والأمن العام والمخابرات للتضييق على حياة الفلسطينيين، معتبرين أنّه لا يمكن تسليم السلاح إلا إذا تم ضمان بعض الحقوق المدنية والحصول على ضمانات واضحة. لكن في المقابل هناك من يرى أن من يرفض تسليم السلاح من قبل الفلسطينيين إنما لأجل مصالح خاصة ومكاسب وامتيازات يتمتع بها سواء كان فردًا أم جماعات!
ارتباط السلاح الفلسطيني بسلاح حزب الله
لكن النقطة الأبرز، أنّ منيمنة يشير إلى أنّ “لا سحب الآن للسلاح الفلسطيني، لعدة أسباب منها ارتباطه بسلاح حزب الله، ولا يمكن أن يُسحب مجانًا دون حصول الفلسطينيين على الحد الأدنى من الحقوق ليشعروا بالأمان”.
ويعتبر أنّ ما يجري حاليًا هو سحب للسلاح الثقيل فقط، وهو غير مؤثر بشكل كبير على الأوضاع الداخلية. ويميز بين نوعية الأسلحة، مشيرًا إلى أنّ الأسلحة التي سحبت من قبل الجيش هي أسلحة حربية تُستخدم في الحروب الكبيرة، ومنها الصواريخ، بينما الأسلحة الخفيفة مثل الرشاشات وأسلحة آر بي جي تبقى في المخيمات وتؤثر على الأرض عمليًا.
وأكد منيمنة أنّ الدولة اللبنانية والأجهزة الأمنية تعرف كل شاردة وواردة داخل المخيمات، سواء من عصابات، تجار، أو فصائل مسلحة، وتعرف تفاصيل الأمور بدقة. وأضاف أنّ الدولة ليست بحاجة إلى أكثر من هذه المعلومات، ولا ترغب بالتدخل المباشر في إدارة المخيمات لأنها ستكون مهمة صعبة ومعقدة.

إقرأ أيضا: بالتفاصيل: هذه خطة ترامب لغزة.. اليوم التالي في «أيدٍ محترفة»!

