غريزة البقاء ليست بيولوجيا بقدر ما هي سياسة طوارئٍ حين تتعطّل أدوات النفوذ والهجوم المعتادة ويجد المرء نفسه في مواجهة أخطار جمّة قد تقضي عليه وعلى ما بناه طوال حياته. فبعد سنتين من الضربات العسكريّة والسياسيّة والاقتصاديّة القاسية جدا، بات الاحتماء بالبيئة الحاضنة هو استراتيجية الدفاع الأخيرة لما تبقّى من قيادة حزب الله: رهانٌ على مجتمع صيغت عاداته الإدراكية والوجدانيّة والوظيفيّة عبر عقودٍ من التربية المُمأسسة والممنهجة على ترديد المردد وتكرير المكرر، مُتئكة على ما يسميه الكاتب بال”سوبر-بيداغوجيا” – أو الإطار العملاني المُغلق الحاضن والمُعَرِّف للإيدولوجيا.
السوبر-بيداغوجيا المُغلَقَة (Encapsulated Super-Pedagogy)
السوبر-بيداغوجيا، حسب تصور الكاتب، هي طريقة تشغيل تُترجِم الأيديولوجيا إلى عادات ممنهجة ومبرمجة عن طريق التربية البيتية، والمدرسة، والمسجد والحسينيات، والطقوس والشعائر والمناسبات الدينية، وأنظمة الإستتباع المنفعي والخدماتي، إلخ. فالسوبر-بيداغوجيا ليست مجرد آليات تعليمية، بل هي منظومة تشغيل مجتمعية تُحوِّل الطاعة إلى عادة قابلة للتكرار. إنها منظومةٌ تتشابك فيها أربعة عناصر لتنتج مجتمعا عالي التعدين، مغلق، لكن جاهز للدفاع عن العقيدة لدرجة الموت في سبيلها.
تعتمد السوبر-بيداغوجيا على خمسة عناصر رئيسية يتفرّع منها مجموعة من المنطلقات العملانية التي لن نتطرق إليها في هذا النص المختصر من كتاب يجري العمل عليه. هذه العناصر هي:
1. نصٌّ مركزي مؤسِّس يمنح معنى جاهزًا للحدث ويُحدِّد حدود السؤال والجواب.
2. مؤسّسات مُخرِجة: حوزات، حلقات ثقافية، كشّافة، ومدارس موازية تُنتج كوادر للمنبر والخدمة العقدية.
3. رمزيّات مُقنّنة: زيّ وشكل موّحد،، ألقاب دينية وتراثية، طقوس ومناسبات وشعارات ورمزيات تتلاعب بالبراهين والقواعد الشرعية والفقهية على حساب الهيبة والحضور والشعبوية.
4. اقتصاد خدماتي-زبائني مُسَيَّس: يربط الدواءَ والغذاء والنقلَ والعمل، وغيرها من المحفزات بمعايير إنضباطية صارمة ومحددة.
5. الطاعة العمياء: إدارة كل هذه العناصر في دورة واحدةلتصبح الطاعة واجب افتراضي من دون حاجةٍ إلى قمع مباشرومعلن.
في لحظات الوهن، يتكثّف التواصل مع القاعدة ويصبح كل مُخالِفٍ خائن، لا مأمنَ له خارج مؤسّسة واحدة تمنح الاعتراف والستر لتتحوّل المناسبات العامّة إلى إعادة نقش للدائرةالمغلقة: صورٌ جماعيّة محكمة الإخراج، مواكب حداد مغمّسة بلغة تعبويّة، تذكارات تُقام رغم قرارات المنع، إلخ. المعنى ليس استحضار الماضي فحسب، بل القول أن “نحن ما زلنا هنا” ولو تقلّص العدد والنفوذ والقدرات العسكرية والإقتصادية.
كيف تم تصنيع الطاعة العمياء كمُخرج أساسي للسوبر-بداغوجيا؟ (ثلاثُ طبقات رئيسية)
• معرفيًّا،عبرتصميم الشكّ): تُرسم حدود السؤال: ما يجوز التساؤل عنه وما يُعدّ طعنًا في الثوابت، حيثيُستبدل الدليل بـهيبة المنبروسلطة الزيّ، فيتحوّل الاعتراض الأخلاقي إلى جرمِ خيانة وعمالة). عمالة لمن؟ طبعا، التهمة المعلّبة دائما جاهزة.
• وجدانيًّا، عبرهندسة الانفعالات، ( يُحوَّل الحزن والحصار إلى هويّة جاهزة؛ كلّ خسارة تُقرأ امتحان ولاء وكلّ حداد يصبح طقسًا يستدعي السرديّة ويُعِدُّ التعبئة لموسمٍ عنف جديد).
• وظيفيًّا وعملانيا، بواسطة عقد المقايضة: تُربَط المنافع اليوميّة كمقعد المدرسة، قسيمةُ دواء، نقلٌ مدرسيّ، سلفةٌ صغيرة بشبكة الانضباط). . الخدمةُ ليست حقًّا مدنيًا بل إشارة عضويّة إلى بيئة حاضنة مكتملة الأوصاف والتقاليد.
أدوات تكريس السوبر-بيداغوجيا على أرض الواقع
• اللغة: قاموس مُصغَّر (خيانة/مؤامرة/اختراق/ذباب إلكتروني) يختزل التعقيد ويتيح وصم الخصم في جملة واحدة أو أقل.
• الطقس والصورة: لقطاتٌ محكومة الإخراج تُثبّت ال”نحن” في الوعي العام للبيئة ( رايات، أناشيد، صفوف منضبطة، لطميات) وسرديّة تُعيد تفسير الحدث دائما لمصلحة الرواية الأم، أو السردية الكاملة (The Grand Narrative).
• البُنى التحتية المجتمعية: لجان أحياء، روابط، كشّافة، حلقات تعبوية، مجموعات واتساب محلّية، شبكات دقيقة ترصد المزاج وتكافئ الامتثال وتردع “الشذوذ.”
• اقتصاد الحاجة: حين تمرّ قسائم الدواء والمنح والبطاقات الحزبية، والقسائم الغذائية عبر بوابة الولاء، تتحول لقمة العيش إلى حارس لتلك البوابة.
الكلفة الخفية لمنظومات الطاعة العمياء المربتطة، عضويا، بغريزة البقاء
• تآكل الثقة الأفقيّة: الجار مشتبه به، والزميل اختراق محتمل؛ رقابةٌ صامتة تُعطّل المبادرات المستقلّة وتخلخل بنيان التشارك والتكافل والتضامن الوطني.
• إنكماش الخيار السياسي: تُختزل الخيارات إلى صفرأواحد: معنا أو ضدّنا؛ فيتصحّر الوسط ويضيع أي إمكانية للتفاوض والنقاش وإيجاد حلول معقولة للطرفين.
• تسليع الوفاء:الولاء يصبح عملة تُدفع لقاء الاستحقاق (وظيفة، معاملة، منحة) فتتراجع الجدارة ويهاجر الكُفء أو، بكل بساطة، يصمت!
• تجويف الحقل العام: يتحوّل الفضاء الحزبي إلى ممرٍّ قسريّ بين روابط تعبوية وتشغيلية ونظام زبائني-خدماتي يأكل من رصيد ما تبقى من مؤسسات حكومية محايدة قادرة على خدمة الجميع.
لماذا تصمد هذه الدائرة الصغيرة المغلقة رغم كل تلك الهزائم؟
لأنّها أضحت، عبر عقود طويلة، روتين يومي وعلاقات بشرية صلبة وطويلة الأمد يصعب تدميرها والقضاء عليها بغارة طائرات، أو عبر قصف مدفعي، أو بواسطة عبوة أو صاروخ. أمّا التأقلم مع المتغيّر، فيُستعاد كلّ أسبوع بطقسٍ ديني، وكلّ صباح بخدمةٍ زبائنية، وكلّ مساء برسالة واتساب تعبوية، أو بمنتج دعائي كاذب وملفق لشيطنة الآخر المختلف.
حين تتكفّل تلك الشبكة الخدماتية-العقائدية العنكبوتية بحاجات الأحياءوالأموات، تتأجَّل أسئلةُ السياسة—ولو مؤقّتا”—وتبقى اليدُ العليا لمن يملك دفتر الحسابات المنفعية والكتلة النقدية. تكمن البراعة في صيانة السوبر-بيداغوجيا في حقيقةأنّها لا تحتاج إلى انتصاراتٍ كبرى؛ يكفيها حدٌّ أدنى من الولاء الحديدي ذاك حتى تحوّل الهزائم الكبرى إلى ميني إنتصارات هنا وهناك لضبط الإيقاع العام للمنظومة ومنع الانشقاقات العلنيّة.
من تفكيك غريزة البقاء إلى بناء المواطنة
يحتمي اليوم من تبقّى من قيادة حزب الله بما بنته السوبر-بيداغوجيا خلال عقود: اعتياد طاعة يُقلِّص العالم إلى “نحن” واحدة موحّدة مقابل خَوَنة وعُمَلاء. ولا يُبطِل هذا الاعتياد سيل الإدانات ولا شتائم شبكات التواصل الإجتماعي، إنّما يُبطله نظام بديل يعلّم الناس كيف يفكّرون، ويمنحهم خدمة بعدل، ويُعيد للتحزّب وظيفته الإنسانيّة. عندها، لا تُكسر الدائرة بالقوّة؛ بل تتّسع حتى تذوب فيها ثنائيّة التخوين والعمالة من تلقاء ذاتها. وهكذا فقط ينتقل المجتمع (البيئة الحاضنة) من حماية تنظيمٍ عقائدي مسلّح إلى حماية وطن وعقيدة مواطنَة، وتبدأ الدولة حيث ينبغي أن تبدأ: من البيت والمدرسة، إلى إدارات حكومية ومؤسسات عامة وخاصة لا تخاف الضوء والقوانين والأخلاق والشفافية.
إقرأ أيضا: بالتفاصيل: هذه خطة ترامب لغزة.. اليوم التالي في «أيدٍ محترفة»!

