دخل لبنان مرحلة جديدة من الصراع الداخلي مع تفاقم أزمة قانون الانتخاب، التي باتت تتقدّم على سائر الملفات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. فقد شكّل تعليق عمل اللجنة النيابية الفرعية، بعد مقاطعة كل من كتلتي القوات اللبنانية والكتائب، مؤشراً إضافياً على عمق الشرخ القائم حول مسألة اقتراع المغتربين.
رئيس مجلس النواب نبيه بري حسم موقفه رافضاً أي تعديل للقانون النافذ، قائلاً لـ”النهار” إن هذا القانون “لا يتقدّم عليه إلا الإنجيل والقرآن”. أما نائب رئيس المجلس إلياس بو صعب، فأكد بدوره أن الانتخابات ستُجرى على أساس القانون الحالي، بما يعني اعتماد المقاعد الستة للمغتربين دون تغيير.
الحكومة أمام الامتحان
في المقابل، تزداد الضغوط على الحكومة التي تجد نفسها أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما إعداد مشروع قانون معجّل مكرّر لتعديل آلية اقتراع غير المقيمين، وإما إعلان السير بالقانون الحالي وتحمّل تبعاته السياسية والقانونية. فوزير الداخلية أعلن أنه يعمل وفق النص النافذ، ما يعني عملياً أن المغتربين سيقترعون لستة نواب فقط موزعين على القارات.
النائب هادي أبو الحسن حذّر الحكومة من المماطلة، داعياً إلى حسم الأمر “خلال عشرة أيام كحد أقصى”، فيما اعتبرت النائبة غادة أيوب أن أي تعطيل هو “خرق فاضح للقانون” ودعت لإرسال مشروع جديد يمنع إضاعة حق المغتربين.
غارات إسرائيلية على النبطية
في موازاة التجاذبات الداخلية، استيقظ الجنوب فجر أمس على سلسلة غارات إسرائيلية عنيفة استهدفت أحراج علي الطاهر عند الأطراف الشمالية لبلدة النبطية الفوقا. الغارات أحدثت انفجارات هائلة أشعلت حرائق واسعة، وألحقت أضراراً كبيرة بعشرات المنازل والمحال التجارية.
مصادر ميدانية تحدثت عن تحليق مسيّرات إسرائيلية على علو منخفض في أجواء النبطية وصيدا، في حين أعلن الجيش الإسرائيلي أن غاراته أصابت موقعاً لحزب الله في جبل شقيف كان يُستخدم “لإدارة النيران والدفاع”، مشيراً إلى أن وجود هذا الموقع يشكل “انتهاكاً للتفاهمات” مع لبنان.
رعد في بعبدا: محاولة لاحتواء ملف السلاح
وسط التصعيد، برزت زيارة رئيس كتلة “الوفاء للمقاومة” النائب محمد رعد إلى قصر بعبدا حيث التقى رئيس الجمهورية جوزف عون، ثم قائد الجيش رودولف هيكل. مصادر متابعة رأت أن اللقاء لم يكن سوى محاولة من حزب الله لاستباق أي قرار حكومي لا يخدم مصلحته في ملف حصرية السلاح.
في المقابل، شدّد رئيس الحكومة نواف سلام على تمسكه بمبدأ “دولة واحدة، قانون واحد، جيش واحد”، مؤكداً أن الحكومة ستناقش قريباً التقرير الأول للجيش حول تطبيق خطة حصر السلاح، وقال: “لا خيار آخر أمامنا إذا أردنا بلدًا لنا ولأولادنا”.
قضية الروشة لم تنتهِ
أما ملف صخرة الروشة فما زال يتفاعل، إذ استجوب القضاء شخصين أحدهما صاحب جهاز الليزر الذي استُخدم في إضاءة الصخرة، فيما صدرت مذكرات بحث وتحرّ بحق آخرين. سلام اعتبر أن “الخاسر الأكبر مما حصل هو الجهة المنظمة”، مؤكداً أن استعادة هيبة الدولة تكون عبر المحاسبة الصارمة.
بوادر مع دمشق
إقليمياً، سُجل لقاء في مدينة العُلا السعودية بين وزير الدفاع اللبناني ميشال منسى ووزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، لبحث ترسيم الحدود وتفعيل التعاون الأمني. مصادر أشارت إلى “بوادر حسن نية” من الجانب السوري، تتعلق بتسوية أوضاع معتقلين وإطلاق سراح موقوفين مقابل تعاون لبناني في ملفات أمنية وسياسية حساسة.
أزمة مركبة… والوقت يضيق
بين الغارات الإسرائيلية التي تعيد الجنوب إلى أجواء الحرب، والاشتباك الداخلي حول الانتخابات والسلاح، يجد لبنان نفسه أمام مشهد معقد يختصر أزماته التاريخية: صراع على التمثيل، جدل حول السيادة، وضغوط إقليمية متشابكة. ومع فتح باب تسجيل المغتربين حتى 20 تشرين الثاني، تبدو الأيام المقبلة مفصلية، إذ ستحدد ما إذا كان البلد سيخوض الانتخابات في موعدها وفق القانون الحالي، أم أن التجاذبات ستقوده إلى أزمة دستورية جديدة.
اقرا ايضا: ثلاثة بيانات من الجنوب: قرى حدودية تصرخ بوجه «الحزب»…

