لم يعد القرار حبرًا على ورق. فللمرة الأولى منذ نهاية الحرب الأهلية اللبنانية، اتخذ مجلس الوزراء اللبناني قرارًا حاسمًا بتكليف الجيش اللبناني إعداد خطة تطبيقية لحصر السلاح بيد الدولة، وتحديد موعد أقصى لتنفيذه قبل نهاية العام الحالي. الجلسة الحكومية التي انعقدت بعد ظهر أمس في قصر بعبدا برئاسة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، شهدت تحوّلًا نوعيًا في خطاب الدولة وموقفها من السلاح غير الشرعي، وفي طليعته سلاح حزب الله.
إلا أن المعركة الحقيقية لم تبدأ بعد. فالجلسة المقبلة يوم غد الخميس، والتي من المفترض أن يقدّم فيها الجيش خطته الأولية لتنفيذ المهمة، ستشكّل مفترق طرق حاسمًا: إما تأكيد التوجّه الحكومي الجريء، أو انتكاسة جديدة تعيد البلاد إلى المراوحة القاتلة.
حزب الله يتحرك… تحت عناوين الضغط والشارع
في الساعات التي تلت الجلسة، لم يتأخر رد فعل حزب الله. فقد خرج نائب الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم في خطاب صدامي أعلن فيه رفض الحزب المطلق لأي مساس بسلاح “المقاومة”، معتبرًا أن “السلاح ليس بندًا تفاوضيًا”، بل “حق مقدّس لن يُناقش”.
ولم تقتصر الإشارات على الكلام فقط، إذ سُجّلت عراضات بالدراجات النارية لمناصرين للحزب عند مداخل الضاحية الجنوبية، في رسالة أرادت أن تذكّر الجميع بـ”المحرمات”، وبأن قرار نزع السلاح قد يفتح أبواب مواجهة على الأرض.
المعركة الحقيقية لم تبدأ بعد. فالجلسة المقبلة يوم غد الخميس، والتي من المفترض أن يقدّم فيها الجيش خطته الأولية لتنفيذ المهمة، ستشكّل مفترق طرق حاسمًا: إما تأكيد التوجّه الحكومي الجريء، أو انتكاسة جديدة تعيد البلاد إلى المراوحة القاتلة
هل سيسعى الحزب إلى إفشال جلسة الخميس؟
كلّ المؤشرات تدل على أن حزب الله لن يسمح بمرور الجلسة المقبلة بهدوء. من غير المستبعد أن يلجأ الحزب إلى:
الضغط السياسي المسبق على الوزراء المحسوبين على “الخط الرمادي” أو حلفائه التقليديين، بهدف تعطيل النصاب أو تعطيل التصويت على الخطة.
إثارة توترات أمنية محدودة في مناطق حساسة، لتصدير الخوف وتشتيت انتباه السلطة.
افتعال أزمة دستورية أو سياسية، كالتشكيك بصلاحيات الحكومة أو بقراراتها في ظل الأوضاع الإقليمية المتوترة.
تهديد مبطّن بالعودة إلى الشارع، كما فعل عام 2008، حين أُجبرت الحكومة على التراجع عن قراراتها تجاه شبكة اتصالات الحزب.
ما أوراق القوة التي تملكها الحكومة؟
للمرة الأولى، تستند الحكومة إلى غطاء دستوري وقانوني متين، وهو اتفاق الطائف الذي أقرّ منذ أكثر من ثلاثة عقود بوجوب حصر السلاح بيد الدولة، وكذلك للبيان الوزاري الحالي الذي التزمت فيه الحكومة بشكل صريح بهذا البند، ولخطاب القسم لرئيس الجمهورية الذي تعهد فيه بمسار إصلاحي سيادي لا مساومة فيه.
كما أن توقيت القرار يستند أيضًا إلى دعم دولي متزايد يربط أي مساعدات مستقبلية للبنان بخطوات سيادية فعلية، على رأسها ضبط السلاح غير الشرعي، وتأمين الحدود، وتوحيد القرار العسكري.
الحسابات المعقدة لحزب الله
يدرك حزب الله أن الأمر مختلف هذه المرة، فلم تأت المبادرة من الخارج، بل من قلب الدولة، وتحديدًا من رئيس جمهورية يُحسب على الوسط، لا على فريق خصم تقليدي. والجيش هو من كُلّف بالمهمة، وليس طرفًا سياسيًا يمكن التشكيك في نواياه أو شرعيته. كما ان مهلة التنفيذ واضحة ومحددة، ولا تفتح الباب للتسويف أو التسويات الرمادية.
وهذا ما يضع الحزب أمام خيارين أحلاهما مرّ:
إما الذهاب نحو مواجهة مباشرة مع الدولة والجيش، وهو ما سيكون مكلفًا سياسيًا وشعبيًا في الداخل.
أو التراجع التدريجي وتفاوضي، وهو ما يتطلب إعادة تموضع مؤلمة قد تهدد تماسك بنيته العسكرية والسياسية.
توقيت القرار يستند أيضًا إلى دعم دولي متزايد يربط أي مساعدات مستقبلية للبنان بخطوات سيادية فعلية، على رأسها ضبط السلاح غير الشرعي، وتأمين الحدود، وتوحيد القرار العسكري
المحاذير والسيناريوهات
قد يلجأ أنصار الحزب إلى احتجاجات صاخبة أو إشكالات في بعض المناطق المختلطة، لتوجيه رسالة بأن أي خطوة ضد سلاح “المقاومة” ستُواجه بردّ فعل شعبي، او الى الضغط على حلفائه لتقديم طعون قانونية، أو الطعن بشرعية الجلسة الحكومية نفسها في حال وُضع ملف السلاح على جدول الأعمال من دون توافق.
ولا يمكن اغفال ابتزاز اقتصادي، عبر ربط الاستقرار في بيئات نفوذه بـ”عدم المسّ بالسلاح”، والتهويل بأن أي تغيير في المعادلة الأمنية سيقود إلى فوضى.
وهناك اللعب على وتر الصراع الإقليمي، بتقديم الحزب نفسه مجددًا كـ”درع للبنان” في مواجهة أي هجوم إسرائيلي محتمل، محاولًا إعادة عقارب الساعة إلى لحظة “التهديد الخارجي يوحّد الداخل”.
ما المطلوب لنجاح الجلسة المقبلة؟
ومن اجل نجاح جلسة مجلس الوزراء المقبلة غدا الخميس، فان رئاسة الجمهورية يجب ان تتمسك بالمسار المرسوم، وعدم الانجرار إلى محاولات تأجيل الجلسة أو تمييع جدول أعمالها. وتحصين القرار سياسيًا وإعلاميًا، عبر شرح خلفياته القانونية والوطنية للرأي العام، وتجنيبه شبهة “الاستهداف الطائفي”. وكذلك دعم الجيش علنًا في مهمته الجديدة، وإبراز دوره كمرجعية وطنية لا كطرف في الصراع. ثم التحرّك دوليًا لضمان عدم ترك الحكومة وحدها في حال تطوّرت الأمور إلى تصعيد أمني.
إما الدولة أو الفوضى
الجلسة المقبلة لمجلس الوزراء ليست مجرّد اجتماع روتيني. إنها لحظة اختبار حقيقي لما تبقى من الدولة اللبنانية، وقدرتها على فرض القانون والسيادة بعد عقود من التنازل والتواطؤ.
نجاح الجلسة سيكون بداية نهاية ازدواجية السلاح داخل الجمهورية الواحدة. أما فشلها، فسيؤكد مرة أخرى أن القرار في لبنان لا يزال خارج مؤسساته الرسمية، وقراره مصادر من قبل الحزب وسلاحه.
اقرأ أيضا: قرار حكومي حاسم وتاريخي: تكليف الجيش بخطة «حصر السلاح».. والمواجهة بدأت!

