منذ إدراجه على اللائحة الرمادية في يونيو 2023 من قبل مجموعة العمل المالي (FATF)، يعيش لبنان تحت وطأة رقابة مالية دولية مشددة، في وقت يعاني فيه أساسًا من أزمة اقتصادية غير مسبوقة، وانهيار مالي متواصل، وشلل سياسي يمنع تنفيذ الإصلاحات المطلوبة.
لكن مع اقتراب موعد إعادة تقييم التزامه بالإجراءات الدولية لمكافحة غسل الأموال وقضايا الفساد، يزداد الحديث عن احتمال انتقال لبنان إلى اللائحة السوداء، وهي المرحلة الأخطر بكثير من الناحية السياسية والمالية.
ووسط الأزمة السياسية اليوم المتمثلة بقضية “حصرية السلاح” بيد الدولة ومع ممطالة حزب الله في تقديم التنازلات وإنهاء قضية السلاح تزداد الضغوط العربية والدولية على لبنان وسط تهديدات جدية بإجراءات تتخطى العمل العكسري، وتذهب باتجاه منع لبنان من استيراد النفط والقمح وتقييد الحوالات المالية والأخطر هو التهديد تهديد بـ”اللائحة السوداء” وضغط اقتصادي أكبر.
إقرأ أيضا: لبنان بين محاولات التهدئة والتصعيد الإقليمي: حوار سياسي لتفادي مواجهة واسعة
وإضافة إلى ذلك ورغم مرور أكثر من عامين على وضعه على اللائحة الرمادية، فإن لبنان لم يُظهر بعد أي نتائج فعلية وجدية في تنفيذ خطة العمل المتفق عليها مع FATF.
وتشير التقارير الدولية إلى أن لبنان ما زال يُظهر:
ضعفًا في تطبيق القوانين القائمة.
غياب المحاسبة الفعلية لمرتكبي جرائم مالية.
غموضًا في أنشطة بعض الجمعيات والمنظمات التي تُشتبه بصلتها بتمويل الإرهاب.
تسيّبًا في ضبط حركة الأموال النقدية عبر الحدود.
كما أن الفراغ المؤسساتي، وانقسام السلطة، وغياب الإرادة السياسية للإصلاح، كلها عوامل تُضعف ثقة المجتمع الدولي بقدرة لبنان على الالتزام الجدي.
ما هي اللائحة السوداء؟
اللائحة السوداء هي القائمة التي تصنف فيها FATF الدول التي ترفض التعاون أو تظهر عجزًا تامًا عن الالتزام بمعايير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، رغم منحها الوقت والمساعدة التقنية. وتضم اليوم دولًا مثل إيران، كوريا الشمالية، وميانمار.
ويعني الإدراج على هذه اللائحة أن الدولة تصبح شبه معزولة ماليًا، وتُمنع عنها العلاقات المصرفية والاستثمارية الدولية، ما يؤدي إلى شلل اقتصادي شامل.
ما العواقب إذا أُدرج لبنان على اللائحة السوداء؟
النتائج ستكون كارثية بكل المقاييس:
1. عزل شبه كامل للمصارف اللبنانية عن النظام المالي العالمي.
2. منع التحويلات المالية من وإلى لبنان، حتى تلك المرتبطة بالتجارة أو تحويلات المغتربين.
3. صعوبة استيراد المواد الأساسية، نظرًا لتعقيد فتح الاعتمادات.
4. حرمان لبنان من أي تمويل دولي، بما في ذلك من صندوق النقد والبنك الدولي.
5. انهيار الليرة اللبنانية بشكل أوسع، وازدياد الضغط على احتياطي الدولار.
الوضع خطير جدا
وللوقوف على التداعيات التي ستحصل فيما لو أدرج لبنان على “اللائحة السوداء” تحدث موقع “جنوبية” إلى الخبير الإقتصادي البروفسور د. جاسم عجاقة الذي أوضح لـ”جنوبية” أن الوضع سيكون خطيرا جدا في حال لم يتوصل لبنان إلى حل على صعيد تفكيك الترسانة العكسرية لحزب الله.
واعتبر عجاقة أن لبنان سيكون أمام نوع جديد من النواع الضغط العالمي، وستكون ردة الفعل مقسومة إلى قسمين عسكري واقتصادي ما لم يتوصل لبنان إلى حل سريع.
وأشار عجاقة إلى أن ما حصل أمس من تصعيد إسرائيلي وبعد كلمة رئيس الجمهورية يؤشر إلى مزيد من الضغوطات السياسية والعسكرية.
عزل لبنان كليا عن النظام العالمي
وأضاف: أن الأهم هو الموضوع الاقتصادي حيث من الممكن أن تبدأ الضغوط بالدرجة الأولى بما يسمى عملية عزل للبنان، وعلى رأس ذلك هو وضع لبنان على “اللائحة السوداء” وهي لائحة خطيرة تعزل لبنان كليا عن النظام المالي العالمي، وتحد من قدرة التواصل المصارف المراسلة، التي ما زالت تتعامل مع لبنان حتى الآن بقرار استثناء سياسي، وفي حال توقفت الآن هذه المصارف عن التعامل معنا فسيكون لبنان تحت رحمة القرار الدولي في هذا الأمر وبالتحديد القرار الأميركي.
وأشار عجاقة إلى أن نظام التجارة العالمي مرتبط بشكل حصري بالمصارف وبفتح الإعتمادات بالمصارف المراسلة، واذا لم تكن هذه الخاصية متوفرة فلا يمكن للبنان الاستيراد ولن يكون باستطاعة لبنان استيراد المواد غذائية أو المحروقات أو الأدوية، وهي المواد الثلاث الأساسية التي يحتاجها لبنان، ويصبح لبنان إزاء ذلك بحاجة لدولة ثالثة للقيام بذلك ويسمونها الدولة الراعية كما حصل مع العراق بالتسعنيات عندما تكفلت الإمارات بهذا الموضوع.
كارثة اقتصادية واجتماعية
وأضاف: “هذا الامر بكل بساطة سيؤي إلى كارثة على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي، وتتوقف تحويلات المغتربين من الخارج، وهذا الأمر لن يكون الأمر سهلا وكذلك موضوع التصدير والاستثمار حيث سيبتعد المستثمرون عن لبنان”.
وعلى الصعيد الاجتماعي أشار عجاقة أن الوضع في لبنان سيتحول إلى كارثي يشبه الوضع الاقتصادي في غزة لأن ما يحصل ما شبه حصار بحري وجوي، وبالتالي فمن الممكن أن تسوء الامور أكثر فأكثر.
إقرأ أيضا: الرئيس نبيه بري: الممانع الأول.. والأخير!
من هذا المنطلق اعتبر عجاقة أنه من الضروري أن يكون هناك وعي على صعيد هذه النقطة ويجب وضع حل عاجل لهذا الوضع كي لا نصل إلى هذه المرحلة، وإذا بقي الوضع على ما هو عليه من الممكن جدا ان نرى المزيد من العمليات العسكرية في لبنان خصوصا إذا بقيت الاجواء سلبية حتى جلسة الحكومة الثلاثاء.
لبنان أمام مفترق خطير
وامام هذا الواقع فإن لبنان اليوم يقف على مفترق طرق مالي خطير، إما أن يلتزم فعليًا بما تعهد به للخروج من اللائحة الرمادية، أو يُترك ليواجه مصيرًا أشد قسوة يتمثل في الإدراج على اللائحة السوداء، وهو ما سيحوّل أزمته المالية إلى عزلة دولية خانقة تهدد بقاء اقتصاده بالكامل.
في ظل الجمود السياسي، والضغوط الاجتماعية، يبقى السؤال:
هل يملك لبنان رفاهية الاستمرار بالمراوغة؟ أم أن لحظة الحقيقة قد اقتربت؟

