يحاول المقربون من رئيس مجلس النواب نبيه بري ترسيخ صورته كزعيم الشيعة الذي يتمتع بخبرة سياسية طويلة ونهج يُنظر إليه غالبًا على أنه واقعي، وطني، ومتّزن، مقارنةً بمواقف أكثر حدّة في البيئة نفسها. كما يُشيد البعض بدوره في تجنيب لبنان الانخراط المباشر في حروب إقليمية، معتبرين أن حركة “أمل” التي يتزعمها حافظت على مسافة من خيارات “حزب الله” الأكثر تصعيدًا.
لكن التقييم المتأنّي للمسار السياسي، لا سيما في العقود الثلاثة الأخيرة، يبيّن أن علاقة بري بـ”حزب الله” لا تقوم على التمايز الصدامي أو الاختلاف الجذري، بل على إدارة تنوّع ضمن إطار سياسي واحد. ويمكن فهم الكثير من مواقف بري بوصفها جزءًا من تكامل أدوار داخل مشروع سياسي أوسع، أكثر من كونها خروجًا فعليًا عليه.
وفي هذا السياق، يُشار إلى أن بري، بصفته أحد ركائز النظام السياسي في لبنان، لعب دورًا في توفير الغطاء المؤسساتي للحزب، وشارك في محطات أساسية ساهمت في ترسيخ موقعه داخل بنية الدولة. وقد يكون من الإنصاف القول إن العلاقة بين الطرفين اتسمت غالبًا بالتنسيق لا بالمواجهة، وإن بدت في بعض الفترات وكأنها تباين أو تنافس ظرفي.
رئيس الدولة العميقة!
إذا كان حزب الله قد أمسك بالسلاح، فإن نبيه بري أمسك بالمفاتيح. هو الذي أدار لعبة الدولة لصالح الحزب، وهو الذي حمى امتداد نفوذه داخل الإدارات والمؤسسات. هو رأس الدولة العميقة التي مكّنت الحزب من التمدد الناعم، ومن فرض أجندته عبر شرعية رسمية لبنانية، لا عبر غلبة مذهبية فقط. هنا لا نتحدث عن تناقضات عابرة بين الثنائي الشيعي، بل عن توزيع للأدوار: الحزب يخوض المعارك، وبري يفاوض ويقونن. الحزب يواجه، وبري يغطي. الحزب يقاتل، وبري يدير مجلس النواب كمؤسسة مصمّمة لإبقاء الوضع على ما هو عليه.
يُشار إلى أن بري، بصفته أحد ركائز النظام السياسي في لبنان، لعب دورًا في توفير الغطاء المؤسساتي للحزب، وشارك في محطات أساسية ساهمت في ترسيخ موقعه داخل بنية الدولة.
أحداث 7 أيار 2008!
في المقابل، أليست حركة أمل نفسها من شاركت فعليًا في اجتياح بيروت في 7 أيار 2008 إلى جانب حزب الله؟ ألم تكن الذراع المساندة التي أطلقت النار واحتلّت المؤسسات؟ فكيف لمن شارك في فرض السلاح على اللبنانيين أن يكون محايدًا؟ الرئيس نبيه بري على رأس مؤسسة دستورية شارك بانقلاب على الدولة اللبنانية التي هو ركن من أركانها.
إقالة حكومة سعد الحريري
في 12 كانون الثاني 2011، استقال وزراء حركة أمل وحزب الله من حكومة سعد الحريري، ما أدى إلى إسقاط الحكومة أثناء وجود الحريري في واشنطن للقاء الرئيس الأميركي باراك أوباما. يومها كانت المحكمة الدولية الخاصة بلبنان تقترب من إصدار القرار الاتهامي في جريمة اغتيال رفيق الحريري، وكانت التسريبات تشير إلى اتهام عناصر من حزب الله. شعر حزب الله بالخطر، وقرر مع حليفه نبيه بري إسقاط الحكومة لمنع الحريري من تبنّي أي موقف داعم للمحكمة أو تحميل الحزب المسؤولية.
وزراء حركة أمل الثلاثة اضافة لوزراء حزب الله شاركوا في اعلان الاستقالة التي جاءت من عين التينة، مقر إقامة نبيه بري، ما أكد أنه كان على رأس القرار، لا مجرّد تابع للحزب، ومثلت الاستقالة إهانة دبلوماسية مقصودة للحريري أثناء لقائه بالرئيس الأميركي، التي جاءت كرسالة سياسية ممانِعة بامتياز. لم يكن ذلك موقفًا لبنانيًا مستقلًا، بل تموضعًا صريحًا داخل محور الممانعة، بإشراف مباشر من نبيه بري، لا مجرد تغطية شكلية.
الحرب السورية 2011!
يستدل البعض على حياد بري بعدم زيارته لسوريا، ورفضه التورط في الحرب السورية، لكن هل صدرت بيانات شجب من قبل بري لمشاركة الحزب في الحرب السورية؟! وهل تملك حركة أمل الوسائل القتالية لهكذا حرب إقليمية عابرة للحدود؟! أليست عدم مشاركة حركة أمل دليلًا عمليًا يؤكد مسألة توزيع الأدوار بين الحزب والحركة ولا ينفيها على عكس ما يظن البعض؟َ!
وعلى الرغم من ادّعاء النأي عن الحرب السورية، احتفظ الرئيس بري بعلاقات قوية مع النظام، وإن كان بشكل غير مباشر، ولكن عبر حلفاء وإعلاميين يدورون في فلكه، وكذلك عارض تعليق عضوية سوريا في الجامعة العربية بعد المجازر المتتالية التي ارتكبها نظام الأسد في سوريا منذ العام 2011.
تعطيل انتخاب رئيس الجمهورية 2014!
بري وقف إلى جانب حزب الله في تعطيل انتخاب رئيس الجمهورية لمدة عامين ونصف، منذ العام 2014 وحتى العام 2016، في سبيل فرض العماد ميشال عون، مرشح حزب الله، رئيسًا للجمهورية. تحكم بري بمفاتيح المجلس وفرض الانصياع لمطالب حلف الممانعة ولم يكن بعيدًا عن المعادلة. سيقول البعض أن بري كان غير موافقًا على ميشال عون، لكن من كان مرشح بري للرئاسة: سليمان فرنجية. أي أن الخلاف لم يكن بين بري والحزب على مرشح وطني بل حول تفضيل اسم من الإسمين المذكورين، أي عون وفرنجية، وهما يصبان في نهاية الأمر عند الممانعة، لا بل إن سليمان فرنجية يصب عند النظام السوري البائد أكثر من غيره.
انتفاضة 17 تشرين 2019
يومها حاول بري مع حزب الله فرض حكومة حسان دياب، وساهم في إفشال كل المبادرات الدولية لتشكيل حكومة مستقلين، بما فيها مبادرة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورفض أي شكل من أشكال الحكومة التي تفكك سلطة الممانعة. الرئيس بري لم يكن وسيطًا في يوم من الأيام، بل صانعًا للسلطة البديلة المطيعة لمحور طهران والحامي للمنظومة المصرفية كذلك. ألا نذكر شعارات التشرينيين؟! هل نسينا من أطلق النار على أعين المتظاهرين؟! من ساهم بتغطية رياض سلامة كل هذه المدة؟! ومن قال بأن الليرة ستكون بخير وستثبت على سعر 3250 ليرة للدولار الواحد؟! كان الرئيس بري شريكًا أساسيًا مع السيد حسن نصرالله في القضاء على حراك 17 تشرين وتثبيت أركان النظام المحاصصي الطائفي.
تفجير مرفأ بيروت 2020!
حين طلب المحقق العدلي استجواب وزراء من المنظومة، وقف بري سدًا منيعًا بوجه التحقيق، وحوّل البرلمان إلى حصن منيع لحماية الحلفاء. لم يكن في موقع الحَكَم، بل في موقع الشريك المتورط في منع العدالة، وحماية المتهمين من المساءلة. فمنذ اللحظة الأولى لانطلاق التحقيق في انفجار 4 آب 2020، سارع الرئيس نبيه بري إلى عرقلة عمل المحقق العدلي القاضي طارق البيطار عبر رفض رفع الحصانات عن النواب والوزراء المدّعى عليهم، ورعاية اتفاقيات سياسية حالت دون السماح للقضاء باستجواب الوزيرعلي حسن خليل، وزير المالية السابق والقيادي البارز في حركة أمل، وطالبه بإحالة الملف إلى المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء وهي هيئة غير مفعّلة أساسًا.
بري وقف إلى جانب حزب الله في تعطيل انتخاب رئيس الجمهورية لمدة عامين ونصف، منذ العام 2014 وحتى العام 2016، في سبيل فرض العماد ميشال عون، مرشح حزب الله، رئيسًا للجمهورية.
أحداث الطيونة 2021
دعا حزب الله وحركة أمل إلى تظاهرة ضد القاضي طارق البيطار أمام قصر العدل، واندلعت إثرها مواجهات مسلحة في منطقة الطيونة. عناصر من حركة أمل، موثّقة بالصور والفيديوهات، كانوا في طليعة المسلحين. قُتل عدة أشخاص في هذا اليوم، وشهدت بيروت واحدة من أعنف الاشتباكات الداخلية منذ السابع من آيار 2008.
فهل صدرت أي إدانة واضحة للعنف من قبل الرئيس بري؟! هل تمت محاسبة أحد من المسلحين؟! الارجح أن الرئيس بري كان شريكًا سياسيًا كاملاً في الحملة التي اتّهمت البيطار بالاستنسابية والانحياز، ومهّد بذلك للتصعيد. وحين انطلقت رصاصات الطيونة، لم تكن طائشة. كانت محميّة بالصمت السياسي الذي وفّره نبيه بري، وبالتبرير الإعلامي الذي سبقه. هو الذي وقف مع حزب الله في إدانة البيطار، وفتح الطريق لانفجار الشارع، وترك الدم في الطرقات دون مساءلة في سبيل حماية وزيره علي حسن خليل وغيره من أركان المنظومة.
7 أكتوبر 2023
منذ بداية الحرب بين إسرائيل والفلسطينيين ولبنان، كان بري المفاوض الدبلوماسي لحزب الله ومحور الممانعة. أموس هوكستاين تردد عدة مرات عند الرئيس بري لإنهاء حرب المساندة وتحييد لبنان عن الصراع، فجاء رد الرئيس بري بربط وقف الحرب مع لبنان بوقفها مع غزة، وخرجت مقولته: “أهون تنقلو الليطاني من إنو تشيلو سلاح الحزب”. كان بري يتأمل كسب الرهان والمعركة، لكن الهزيمة العسكرية أرخت بظلالها على اتفاق الهزيمة وتطبيق 1701، والذي لا يحسب للرئيس بري أنه ساهم في تجنيب لبنان المخاطر، لا بل على العكس، كان على الدوام مراهنًا على قدرات حزب الله، وجاء الاتفاق إذعانًا بالهزيمة وليس إيمانًا بتحييد لبنان عن الصراعات.
وبالنتيجة، فإن ما يهم الرئيس بري أن تكون الطائفة الشيعية قوية، والقوة هنا تتطلب سلاحًا، فالشيعة بدون سلاح حزب الله أضعف مما لو استمرت الطائفة امتلاكه. من وجهة نظره، طائفة مسلحة أفضل من طائفة بلا سلاح. ولهذا من يظن أن الرئيس بري يريد التخلص من سلاح حزب الله فهو واهم، وكل ما يقال عن معارضته لبقاء السلاح هو ملعوب متفق عليه،. بري والحزب يلعبان لعبة Good Cop Bad Cop أي الشرطي الجيد والشرطي السيء، ولكن في الحقيقة فالرئيس بري هو عراب الممانعة وشريانها.
مساكنة مع حزب الله
كذلك، لا يمكن القفز فوق دور بري في حماية النظام السياسي الذي شرّع الفساد، وغذّى الانهيار، وسكت عن كل سطو حزب الله على القرار اللبناني. من تعطيل الحكومات، إلى تشريع صفقات المحاصصة، إلى تحويل المجلس النيابي إلى نادي مغلق، إلى هندسة التسويات التي منحت الحزب الثلث المعطّل والرئاسة والوزارات السيادية، كان بري دومًا في الوسط، لكن كوسيط منحاز، لا كحَكم محايد. كان قلبه مع لبنان وسيفه مع حزب الله.
فلم يكن نبيه بري يومًا على مسافة من حزب الله، بل كان شريكًا استراتيجيًا في بناء منظومة الممانعة داخل الدولة. هو ممثلها الرسمي، وشرعيتها البرلمانية، وقناتها الشرعية إلى العالم الخارجي. من تعطيل الرئاسات إلى حماية السلاح، ومن تغطية تمدد الحزب إلى صوغ سياسات الدولة على مقاسه، كان بري دومًا في قلب المحور، لا على هامشه. وقد يتمايز كلاميًا عن حزب الله، لكنّه لا يختلف جذريًا عن عقيدته السياسية في التحالف مع النظام السوري السابق وطهران، ولا يفوّت فرصة لحماية هذا المحور تحت قبة البرلمان.
من هنا، فإن تقديم نبيه بري كضامن للهوية اللبنانية في وجه مشاريع الممانعة هو قراءة سياسية لا تصمد أمام الوقائع. فالرجل لم يكن يومًا خارج اللعبة، بل في عمقها. هو الشرعيّة التي منحت الغلبة المسلحة مشروعها القانوني، والغطاء الذي جعل من السلاح سياسة رسمية. وبينما يُقدَّم اليوم كصوت عاقل، هو في الحقيقة صوت قديم يعيد إنتاج الأزمة نفسها، ولكن بلكنة دبلوماسية، فمن الظلم تمرير أساطير على أنقاض الحقائق الماثلة أمام اللبنانيين.
اقرأ أيضا: لبنان بين محاولات التهدئة والتصعيد الإقليمي: حوار سياسي لتفادي مواجهة واسعة

