بعد يوم من كلمة الرئيس جوزاف عون في عيد الجيش التي أكد فيها الموافقة على الورقة الاميركية القاضية بعرض قرار نزع سلاح حزب الله على جلسة مجلس الوزراء المقبلة والبحث في جدول زمني لتطبيقه، شهدت الساحة اللبنانية تطورًا سياسيًا لافتًا، تمثّل في اللقاء الذي جمع الرئيس عون برئيس كتلة “الوفاء للمقاومة” النائب محمد رعد. اللقاء، الذي وصفه موقع “العهد” المقرب من “حزب الله” بأنه “جلسة مصارحة”، تناول ملفات حساسة تشي بتبدّل واضح في منهجية التواصل بين الدولة والحزب.
وحسب الموقع، فإن اللقاء كان إيجابيًا مبدئيًا، إلا أنه لم يخرج بنتائج نهائية بعد، بانتظار بلورة الصورة في الأيام المقبلة. ويُفهم من هذه المصارحة أنها تأتي في سياق الضغوط المتصاعدة لتوحيد القرار الأمني والعسكري اللبناني، على ضوء الهجمات الإسرائيلية المتزايدة جنوبًا، وتنامي الغضب الدولي والعربي من ازدواجية السلطة في البلاد.
ويحاول الرئيس جوزاف عون السير بين الألغام. وحسب صحيفة “الشرق الأوسط”، يتجنب الرئيس التصعيد في خطابه تجاه “حزب الله”، مفضلًا التفاهم التدريجي، خاصة في ملف تسليم السلاح شمال الليطاني، وفق ما يفرضه القرار الدولي 1701.
المصادر تشير إلى أن تفاهمات هادئة تُبنى بين الجانبين انطلاقًا من خطاب القسم والبيان الوزاري، في محاولة لتفادي الانزلاق إلى مواجهة داخلية. فالرئاسة، رغم محاولتها استيعاب تصعيدات “الحزب”، لا تزال تؤكد أن خطاب عون يتطابق مع مشروع بناء الدولة الذي وعد به منذ انتخابه.
بند “حصرية السلاح”: اختبار للجدية الحكومية
في موازاة ذلك، تتهيأ الحكومة اللبنانية لإقرار بند جوهري يُعدّ نقطة محورية في النقاشات الداخلية والدولية حول سلاح “حزب الله”. إذ أفادت مصادر لـ”سكاي نيوز عربية” أن جلسة مجلس الوزراء الثلاثاء المقبل ستتضمن إقرار بند حصرية السلاح بيد الدولة، مع تفويض المجلس الأعلى للدفاع وضع وتنفيذ خطة بإشراف قيادة الجيش.
هذه الخطوة، إن نُفّذت، تمثّل تحولًا نوعيًا في التعاطي الرسمي مع ملف السلاح غير الشرعي، وهي تُعد اختبارًا فعليًا لجدية الحكومة في الالتزام بمطالب المجتمع الدولي والدول العربية الداعمة، ولا سيما السعودية.
إسرائيل تصعّد غاراتها
في الميدان، تزايدت وتيرة الغارات الإسرائيلية على مناطق جنوب لبنان والبقاع، حيث شن الطيران الحربي أكثر من 15 غارة الخميس، أدت إلى سقوط أربعة شهداء، وفق وزارة الصحة اللبنانية.
العدوان الإسرائيلي، الذي استهدف “مخازن صواريخ ومسيّرات تابعة لحزب الله” بحسب وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتش، يعكس ارتفاعاً في منسوب التوتر المحلي والإقليمي، ويكشف هشاشة الجبهة الداخلية اللبنانية في ظل استمرار ازدواجية القرار العسكري.
الرياض: لا دعم بلا إصلاحات ونزع السلاح
الرسالة السعودية الأخيرة كانت أكثر وضوحًا من أي وقت مضى. صحيفة “عكاظ” نقلت بوضوح أن دعم المملكة للبنان لن يتحقق دون إصلاحات جذرية تطال الاقتصاد، القضاء، والإدارة، إضافة إلى حصرية السلاح بيد الدولة. المملكة، وفق الصحيفة، لم تعد تقبل بنهج “الدعم غير المشروط”، وهو ما يتقاطع مع ما أعلنه ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بأن الاستقرار يبدأ من تسليم السلطة للدولة لا للميليشيات.
الرياض تربط أي مساعدة مستقبلية بمحاربة الفساد بفعالية ومحاسبة الفاسدين، إذ ترى في استمرار الفساد والسلاح غير الشرعي أبرز عوائق الاستقرار. ويُفهم من ذلك أن السعودية لن تسمح بتكرار سيناريوهات الهدر والدعم غير المشروط التي غذّت سابقاً منظومات موازية.
إيران ومؤشرات الضربة الكبرى
في خلفية المشهد اللبناني، تتصاعد نذر المواجهة الإسرائيلية – الإيرانية بشكل خطير. تقارير استخباراتية أميركية وغربية تحدثت عن استعدادات إسرائيلية لضربة عسكرية واسعة تستهدف البرنامج النووي الإيراني، في ظل سلسلة من الهجمات السيبرانية والحرائق الغامضة داخل إيران.
مجموعة “جبهة إسناد” الإيرانية تبنت هجمات إلكترونية على مؤسسات إسرائيلية حساسة، أبرزها شركة “ماناميم” المزودة للجيش، وجهاز الاستخبارات. وفي المقابل، تشهد إيران حرائق متكررة في منشآت طبية وصناعية، وسط ترجيحات بتورط إسرائيل.
التصعيد لا يقف عند حدود المواجهة العسكرية، بل يمتد إلى العقوبات الأميركية التي شملت عشرات الكيانات النفطية الإيرانية، ما زاد من تعقيد المشهد التفاوضي النووي. وفيما تبقي إيران باب التفاوض مفتوحًا نظريًا، فإن الخطاب السياسي الداخلي، خاصة في البرلمان الإيراني، لا يزال رافضًا لأي اتفاق دون ضمانات حقيقية.
والخلاصة، ان بين الغارات الإسرائيلية والضغوط الخليجية والتهديدات الإيرانية، يجد لبنان نفسه في قلب عاصفة ثلاثية الأبعاد: داخلية، إقليمية، ودولية. ويبدو أن قرار الخروج من هذه الدوامة بات يتطلب ما هو أكثر من المصارحات والبيانات: خطوات فعلية على طريق حصر السلاح، تحصين المؤسسات، واستعادة الثقة الدولية. فهل يكون لقاء عون – رعد بداية التحوّل؟ أم مجرّد هدنة قبل العاصفة الكبرى؟
اقرأ أيضا: عون يسمي سلاح «حزب الله» ويدعو لتسليمه..ولتنفيذ «ورقة براك» بمراحل «زمنية محددة»

